
الكلام ده مش بس مضلل، لكنه مهين للفلسطينيين في غزة قبل أي حد، ده غير إنه ينم عن جهل بطبيعة الانتحار، والمرض النفسي، وعلم نفس الحروب، والطب كله كما يبدو، وطالع من اعلامي في أحد القنوات.
المهم، هوضح ده فيما يلي من هذا البوست الطويل، والبوست مش رد على هذا الكلام وانما توضيح لبعض الأمور اللي أراها مهمة، وفي نفس الوقت معقدة، لكن خليني أبدأ بما هو متاح من دراسات، بقول “ما هو متاح” لأن للأسف غزة لا تمتلك رفاهية ان يتعمل بحث علمي على أهلها يبحث في مشاكلهم وما يعانونه، ولا رفاهية طب نفسي يخدم مئات الآلاف من الذين يعانون.
في دراسة سنة 2017 على طلبة المدارس الفلسطينيين، وشملت غزة، حللت بيانات طلاب الصفوف 7–9 في الأراضي الفلسطينية ومخيمات الأونروا، وخلصت إلى ارتفاع واضح في الأفكار الانتحارية والتخطيط للانتحار بين المراهقين الفلسطينيين، مع الإشارة إلى أن المعدل الفلسطيني كان أعلى من بقية دول الإقليم
في تقرير سنة 2020، مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية قال إن هناك “عددا مقلقا” من حالات الانتحار، وذكر أنه منذ بداية 2020 تم الإبلاغ عن 24 حالة انتحار في الأرض الفلسطينية المحتلة، بينهم 4 نساء و5 أطفال، مقارنة بـ 22 حالة خلال عام 2019 كله، مع التأكيد أن الأرقام على الأرجح أقل من الواقع بسبب الوصمة الاجتماعية، والخوف، وسوء التصنيف أحيانا كحوادث.
دراسة 2024 على بالغين يعيشون داخل غزة أثناء الحرب، في دراسة منشورة في ساينتفك ريبورتس، شملت 534 بالغا من غزة، أفاد 44.6% من المشاركين بوجود أفكار انتحارية، ضمن نتائج أخرى للدراسة.
في تقييم أجرته جهة محلية بدعم من مؤسسة “وار تشايلد” على 504 أسر في شمال وجنوب غزة، ورد من ضمن نتائج مفزعة وبائسة، أن 49% من الأطفال “عبروا عن رغبة في الموت”.
يتضمن تقرير منظمة الصحة العالمية المعنون “تحليل الوضع الصحي العام” والصادر في مايو 2024 معلومات عن الصحة النفسية في غزة، وجاء فيه بالنص: “شهدت معدلات الانتحار في غزة ارتفاعا خلال السنوات العشر الماضية. وفي السنوات الأخيرة، بلغ متوسط عدد محاولات الانتحار 562 محاولة سنويا. ويسجل معدل الانتحار ارتفاعا بين الشباب الذكور الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و30 عاما، حيث يشكلون نحو 75% من جميع حالات الوفاة بالانتحار.”
الدراسات للأسف قليلة، وأثر الحرب قاس ورهيب على كل نفس، وده بتتفق عليه كل الدراسات، وحتى الدراسات اللي بتقول إن الحرب بتعلم الإنسان بعض من المرونة النفسية، بتتفق على إن ده في حد ذاته لا يحدث إلا بعد معاناة، ان خرجت منها، وفي سياق اضطرابات جسدية ونفسية. يا راجل ده اللي ميتسموش عاملين مناحة بقالهم بتاع 80 سنة، وعشروميت دراسة على الأثر النفسي للي اتعرضوا له في ألمانيا وغيرها، ومؤتمرات وكتب عشان يبينوا إنهم لسه مضرورين نفسيا، وانت طالع تقول: لا اهل غزة زالفل مبينتحروش ابدا ونفسيتهم حديد، يا أخي على الأقل خليك واعي لمصلحتهم، لتبيان الأثر الضاغط الرهيب اللي تعرضوله بسبب الإبادة الجماعية.
واحدة من حججنا علشان نتقبل ان العالم ده فيه ظلم شديد في بعض الأحيان، هي إننا نقول إن “الناس اللي عايشه في غزة دي أسود”، “بيتحملوا ضرب الحديد والنار”، و”بعدين ما أصل ربنا هيدخلهم الجنة أكيد”، ده جزء رئيسي منه مش مدح لأهل غزة، لكنه أنانية مننا احنا، بأن نتجاهل معاناتهم ونتعامل معهم كأبطال، لأنهم لو أبطال يبقا هيستحملوا الضرب، وخلاص بقا طالما بيستحملوا احنا نقدر ننام راضين، ونخرج براحتنا، ونروح المطاعم اللي بتنزل اعلاناتها في السوشيال ميديا وننبسط، ماهم أبطال بقا الحمد لله خلاص مشكلتهم محلولة.
ببساطة لأ، يعانون أشد مما تتصور، زيهم زي أي انسان، الواحد في لحظات الضغط الشديد جدا، قد يضطرب، يضطرب دماغه، وتضطرب قراراته، ويفكر في الانتحار.
تاني شيء، الإنتحار هو اضطراب كبير، الانسان بغريزته يخاف من الموت، إذا اقترب من حافة سطح عماره بيترعب، لو واقف على النيل بيمسك في السور الحديد، ومن ثم فالألفة مع الموت ليست ظرفا طبيعيا بأي حال من الأحوال، بل ظرف يواجه فيه الانسان اضطرابا، ولا يمكن أن نتعامل معها كشيء “عادي”، ونصور القرار بالإنتحار كأنه في نفس المستوى مع قرار بالاستقالة مثلا أو السفر للعمل في الخارج أو الطلاق، بل قرار لشخص يعاني اضطرابا.
وعموما يجب أن تعرف إن السبب الأغلب أو الأكثر شيوعا للإنتحار هو المرض النفسي، إلى جانب أسباب أخرى زي عوامل اجتماعية (عزلة، تنمر، فقدان علاقات)، وعوامل اقتصادية (فقر، بطالة، انعدام الأمان)، وعوامل سياقية (حروب، نزوح، عنف، إندفاع).
هي دي مشكلة هذا النوع من الخطاب اللي بيخلط الدين بالاضطراب النفسي، إنه بيتعامل مع الانتحار كقرار “عادي” و”عقلاني” مش قرار “غير طبيعي” و”مضطرب”، ده طبعا بجانب عدم فهم هذا الخطاب لطبيعة المرض النفسي، وفي هذا السياق الأثر الصارخ للحرب على النفس البشرية اللي بيخرجها في أحيان كثيرة من السمت الطبيعي.
المشكلة الأخرى هي التعميم، يمكن للتدين والصبر والايمان واليقين بالله أن يساعد الناس على مواجهة الظروف الصعبة طبعا، بل ويساعد في التعافي من المرض النفسي بحسب أعمال بحثية في هذا النطاق، لكن مش كل الناس، وده لا علاقة له بدرجة التدين، فقد يكون الشخص متدينا شديد القرب من الله ويقدم على الانتحار، وفي النهاية المرض النفسي هو مرض، اختلال في السلوك وكيمياء المخ، يتطلب علاج نفسي ودوائي، ودكتور، وخط سير طويل من المتابعة.
والأسوأ إن هذا الخطاب يضغط على المريض النفسي بشده: “طيب هيقولوا عني ايه؟ ضعيف”، “أيوة ما انا بتجيني أفكار انتحارية، يبقا أنا اكيد ضعيف ومش مؤمن بقضاء الله”، “فعلا عنده حق، في غزة مفيش انتحار، لانهم مؤمنين بالله، انما انا ايماني صعيف ومش عارف استحمل”، الخ، يعني بدل ما تكون دعوتك له بالتقرب إلى الله مساعدة له، تكون حمل ثقيل، خاصة -وده الاكثر انتشارا- لو انت اصلا مش فاهم طبيعة ما هو فيه من اضطراب.
الانتحار مش ضعف، ومش شجاعة، ومش فلسفة، ومش أي شيء من التصورات الساذجة أو الفانتازية دي، البعض بيتصور ان الشخص اللي عاوز ينتحر هو شخص عاوز يموت، قد يبدو ده بديهي بالنسبة ليك، لكن ده خطأ، لا أحد يود أن يموت، الإنسان خُلق ليتمسك بالحياة ولو عاوز تختبر ده اطلع فوق العمارة دلوقت وقف على السور وشوف شعورك ايه، أمال المنتحر هو ايه؟
هو “شخص يود أنه ينهي ألمه”، لكنه في لحظة ما، مش بيلاقي غير الموت لإنهاء الألم ده، الفارق بين الفكرتين شاسع للغاية، ليه؟
لأن الآخرين هيظنوا إن “شخص يود أن يموت” هتظل عنده الرغبه دي دايما، ولو منعته مرة هيحاول تاني، فمفيش فايده من الكلام معاه، إنما “شخص يود أن يُنهي ألمه” هو أمر ممكن التعامل معاه، باللجوء لمتخصص، بدعمه، بالوقوف إلى جواره.
زمان ضحكوا علينا وفهمونا ان الانتحار هو سمة فقط للبلاد الغنية المرفهة، لكن في بيانات منظمة الصحة العالمية فغالبية حالات الانتحار تحدث في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، ومعدلات الانتحار موجودة بشكل أعلى برضه في هذه الدول، مع دلائل على وجود علاقة بين الانتحار والتفاوت.
ليه البلاد ديه؟ لأن مفيش رعاية صحية مناسبة تلحق الفئات الهشة، إلى جانب ضغوط عدة على رأسها الضغوط الاقتصادية، واللي الإنسان، خاصة من الفئات الهشة القابلة للاضطراب، قد ينكسر تحتها في بعض الأحيان ويضطرب، فلا يرى العالم كما تراه، لكنك مصر تحاكمه كشخص يجب أن يرى العالم كما تراه، لأنك مفيش زيك طبعا.
وأخيرا، خد بالك إن الكلام اللي زي اللي في الصورة ده يأتي، مش في سياق الحادثة الأخيرة فقط، بل شهدنا خلال الشهر الماضي حوادث انتحار متفرقة، يعني ديه علشان “بلوجر” الناس طالعة “تهاجمها” وكأنها لا تستحق أن “تعاني”، لكن ماذا عن سائق الأوبر؟ والراجل بتاع دمياط؟ والشاب اللي ألقى بنفسه في سيتي ستارز؟
موضوع الانتحار والتعامل السطحي معه من بعض الدعاة يشير إلى إشكالية أخرى من إشكاليات الخطاب الدعوي المعاصر؛ وهي بين المشاكل النفسية من ناحية وضعف الإيمان من ناحية أخرى …
وكأن النفس إن اضطربت، فلا تفسير لذلك إلا البعد عن الله سبحانه؛ وهذا التبسيط المخلّ لا يُعالج المشكلات بل يُضاعفها؛ لأنه يُضيف إلى المشكلة النفسية شعورًا بالذنب، ويجعل المريض يظن أنه مقصّر دينيًا، في حين أنه قد يكون في حاجةٍ إلى طبيب، أو دعمٍ نفسي، أو فهمٍ أعمق لحالته.
فكم من نفسٍ أثقلها الاكتئاب، لا لأنها ضعيفة الإيمان، بل لأنها تحتاج إلى فهمٍ وعلاج، لكنها وجدت نفسها تُحاكم بدل أن تُفهم، وتُلام بدل أن تُحتوى، ويُقال لها ببساطةٍ قاسية: لو كان عندك قوة إيمان لزال كل شيء.
وهنا يبدأ الخلل الحقيقي؛ حين نخلط بين الدين بوصفه هدايةً للنفس، وبين الطبيعة البشرية التي تتأثر بالعوامل المحيطة، ولقد بكى الأنبياء، وحزنوا، وضاقت صدورهم حتى ذهب بصر يعقوب عليه السلام بسبب حزنه، وبكى نبينا صلى الله عليه وسلم عند وفاة ابنه؛ ولم يكن هذا نقصًا في إيمانهم – حاشا لله -، بل تعبيرًا صادقًا عن إنسانيتهم.