
تعليق وصلني على موقف كتبته حدث لي مع ابنتي لينا، وهي فتاة عربية تعيش هنا في ألمانيا وأعلمها القرآن منذ سنوات …
والحق أنه لا وجود في الإسلام لتلك الفكرة العجيبة التي تريد تقسيم الكرة الأرضية إلى قسمين أحدهما للرجال والآخر للنساء، بل إن مصطلح “الاختلاط” نفسه بدلالته المعاصرة التي تمنع كل تواصل بين رجل وامرأة هي دلالة دخيلة على القاموس الإسلامي، ولا وجود لكلمة الاختلاط بهذا المعنى لا في القرآن ولا في السنة ولا في التراث الفقهي طوال القرون الأولى بالدلالة المستخدمة حاليا.
بل إن المتأمل في القرآن الكريم وحديثه عن المرأة في مختلف العصور، وفي حياة الرسل والأنبياء لا يشعر بهذا الستار الحديدي الذي وضعه بعضهم بين الرجل والمرأة باسم الدين.
فقد أخبرنا القرآن أن موسى عليه السلام وهو في ريعان شبابه وقوته وقف يحادث الفتاتين ابنتي الشيخ الكبير، ويسألهما وتجيبانه بلا تأثم ولا حرج، ويعاونهما في شهامة ومروءة، وتأتيه إحداهما بعد ذلك مرسلة من أبيها تدعوه أن يذهب معها إلى والدها، ثم تقترح إحداهما على أبيها بعد ذلك أن يستخدمه عنده؛ لما لمست فيه من قوة وأمانة؛ وفي قصة مريم عليها السلام نجد زكريا عليه السلام يدخل عليها المحراب، ويسألها عن الرزق الذي يجده عندها، وفي قصة بلقيس ملكة سبأ نجد حوارها مع سليمان عليه السلام والذي حكاه القرآن تفصيلا.
فكل هذه المواقف كانت تجمع بين رجال ونساء؛ ومن القواعد المقررة عند أهل العلم أن شرع من قبلنا المذكور في القرآن والسنة هو شرع لنا ما لم يرد في شرعـنا ما يرده؛ ولم يرد في شرعنا ما يرد ذلك بل بالعكس كانت المرأة تشهد صلاة الجماعة في مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خلف الرجال دون فاصل ولا ساتر.
وكثير من الأحاديث النبوية تروي لنا مواقف حدثت بين رجال ونساء ورسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم؛ بل تجاوز هذا النشاط النسائي ساحات العلم والعبادة إلى المشاركة في المعارك، ورعاية الجرحـى والمصابين.
ولو رجعنا إلى العصر النبوي نفسه لوجدنا أن النساء كنّ يحضرن مجالس العلم مع النبي – صلى الله عليه وسلم – فيتعلمْن منه مباشرة؛ بل إنهن طلبن منه يومًا أن يخصّص لهن مجلسًا مستقلًا للتعليم لما غلب الرجال على مجلسه، فاستجاب لطلبهن وجعل لهن يومًا يعلّمهن فيه.
ولم تكن النساء في تاريخنا متعلمات فقط يتعلمن من الرجال بل العكس أيضًا موجود فكم من نساء تعلم منهن الرجال؛ فأم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – لم تكن راوية للحديث فحسب بل كانت فقهية تختلف مع الصحابة وتناظرهم وترد أقوالهم، وقد ألف الزركشي كتابًا سماه: (استدراكات عائشة على الصحابة).
وفي عصر التابعين نجد زينب بنت كعب، وصفية بنت أبي عبيد،، وحفصة بنت سيرين، وعمرة بنت عبد الرحمن، ومعاذة بنت عبيد الله، وعائشة بنت طلحة، وغيرهن كثيرات ممن كانت لهن مجالس علم وتعلم منهن الرجال.
بل كان للنساء أيضًا دور في الفتاوى الفقهية؛ ففي كتاب الفوائد البهية نجد أن فاطمة بنت السمرقندي زوجة علاء الدين أبي بكر صاحب كتاب البدائع، كانت فقيهة ومفتية، وكان لها مجلس للفتوى تفتي فيه فيما يعرض عليها من أسئلة النساء والرجال …
فإن قال قائل: هؤلاء كانوا أنبياء وصحابة فأين نحن منهم! قلنا: إنه من المعلوم أن أفعال الأنبياء ومن بعدهم الصحابة جعلت لنقتدي بهم في التشريعات والتعاملات وذلك قول ربنا (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)، فلسنا أتقى لله منهم لنشدد على أنفسنا في ديننا ما لم يشددوه!
فإن قال أحدهم: نفعل هذا من باب سد الذرائع والأخذ بالأحوط والابتعاد عن الفتن قلنا: جزاك الله خيرًا أنك اخترت الورع لنفسك، ولكنه اختيار شخصي متروك لكل إنسان يقرر فيه بإرادته، فمن شاء فليفعل ويتورع ويحتط لدينه فذلك خير ولكنه ليس بحكم شرعي نلزم به الناس جميعا ونضيّق عليهم ما وسعه الله عز وجل لهم.
وأما أنا فسأواصل طريقي مع طلابي وطالباتي، ومع ابنتي لينا صاحبة القصة وبالمناسبة والدتها أيضًا تلميذتي وكذلك أخوها وأبوها؛ ولذا أسميهم بالبيت القرآني؛ حفظهم الله وبارك فيهم.
بالتوفيق للجميع ![]()