التصنيفات
مقالات الضيوف

لماذا لا يعترف القرآن بأن الزواج يجب أن يقوم على الحب؟

لماذا يستخدم بدلًا من ذلك مفهوم “المودة والرحمة”؟!

بستغرب على الناس اللي مصدقة ان ممكن الحب يجى بعد الجواز والغريبه ان القران ما قال ان الجواز مفروض يكون فيه حب و قال موده ورحمه بس هل دول كفايه.

بوست وصلني من إحدى المتابعات الكريمات تطلب الرد على هذا الكلام لأنها شبهة بدأت تنتشر في بعض الجروبات وقد تقع في قلب بعض شباب وفتيات الجيل الناشيء؛ لماذا لا يعترف القرآن بأن الزواج يجب أن يقوم على الحب؟ لماذا يستخدم بدلًا من ذلك مفهوم “المودة والرحمة”؟! لماذا لا يعطي الحب أولوية؟! …

دعوني أخبركم عن مشهد متكرر عندي في جلسات الاستشارات؛ حيث يبدأ الزواج بحب مشتعل بين طرفين، ثم يتآكل شيئًا فشيئًا بفعل التوقعات العالية، والآمال الوردية، التي ما تلبث أن تصطدم بواقع الحياة، فتتغير النظرة، وتتبدل المشاعر؛ وتنتهي العلاقة بفُجر في الخصومة.

يشير علم النفس إلى أن كثيرًا من الصدمات في العلاقات ناتجة عن ما يُعرف بالتعلق غير الآمن Insecure Attachment، وهو نوع من العلاقات يعتمد فيه الشخص على الآخر بصورة مفرطة، متوقعًا منه أن يملأ كل الفراغات النفسية لديه؛ وعندما يُخفق الطرف الآخر في ذلك – وهو أمر طبيعي – يتحول الحب إلى ألم، والثقة إلى خذلان.

وقد وجدت هذا يتفق تمامًا مع روح حديث نبوي شريف من جوامع الكلم يقول فيه رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: (أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما).

إن هذا الحديث العظيم في باب العلاقات البشرية يوجهنا نحو ما يُعرف في علم النفس اليوم بـالضبط العاطفي Emotional Regulation، وهي القدرة على إدارة المشاعر دون الوقوع في الإفراط أو التفريط. فنحن حين نُحب، غالبًا ما نعطي دون حساب، فنُعظم من نُحب، ونتوقع منهم الكمال، ولا نضع أي احتمال لنقص.

وكأن الحديث يخبرك أن تترك مساحة آمنة للتراجع عند الضرورة، وأن نُبقي على هامشٍ للخذلان، لأن القلوب تتغير، والنفوس تُبدّل، والزمن يُقلّب الأحوال؛ فلا تُفرط في الحب، فقد يصبح حبيبك في يوم من الأيام مصدر ألمكك، ولا تُبالغ في كراهية أحد، فقد تجمعكما الحياة من جديد في لحظة صفاء، أو مصلحة مشتركة، أو ظروف متغيرة..

من منظور علم الاجتماع، فإن العلاقات الإنسانية ليست ثابتة، بل تتأثر بالبُنية الاجتماعية والتغيرات الزمنية؛ فالناس لا يبقون كما هم، والأدوار الاجتماعية تتبدل، والصراعات الداخلية تُعيد تشكيل الهويات.

يجب أن تفهم يا صديقي أن الناس يتغيرون؛ وأن الحياة لا تبقى ثابتة على حال، فلا تتعامل مع من تحب على أنه نسخة أبدية من الشخص الذي أحببته أول مرة؛ فاترك حياة الدراما والأفلام، وعش الحياة الواقعية، واجعل دائمًا هامشًا يبقيك قويًا واقفًا إذا ما خُذِلتَ يومًا.

وهذا يأخذنا إلى دقة التعبير القرآني المعجز حين وصف العلاقة بين الزوجين بأنها علاقة (مودة ورحمة)؛ وليس حبًا، فالحب شعور قد يتبدل، لكن الرحمة طبعٌ أصيلٌ يجعل المرء لا يجرح عند الغضب؛ ولا يظلم عند الخصومة.

المصدر