في سجلات الكوارث، وتحديدًا في حوادث الطيران المروعة وأهوال السفن الغارقة، تتكرر ملاحظة سيكولوجية لافتة..
عند اقتراب الخطر الوجودي، يتراجع الجدل النظري، ويبرز صوت أعمق في الداخل.
يحلو للمراقبين أن يرددوا جملة شهيرة في تلك اللحظات..
“لا يوجد ملحد على متن طائرة تهوي”.
حين تتعطل المحركات، وتُظلم الشاشات، وتتلاعب الأمواج العاتية بذلك “التابوت الحديدي”، لا يحيا الإنسان في حالة نقاش فلسفي هادئ.
في تلك اللحظة.. لحظة الصفر.. يتقدم جهاز البقاء، ويتقلص كل شيء إلى سؤال واحد: النجاة.
ستسقط الأقنعة التنكرية، وتعود الروح إلى “إعدادات الفطرة”
.قد لا يتحول الجميع فجأة إلى متدينين، لكن كثيرين سيكتشفون أن ألسنتهم تنطق بنداء ربما لم يخططوا له:
“يا رب…”
ليس لأنهم عقدوا برهانًا جديدًا، بل لأن الروح حين تُجرَّد من كل أدواتها، تعود إلى أكثر طبقاتها فطرية وصدقًا.
هذا المشهد الإنساني العاري، هو ما تجسده سورة الأنعام، كاشفةً عن ذلك التناقض العجيب في تركيب هذا الإنسان:
في الرخاء يجادل…
وفي الشدة يفتش عن السماء.
{قُلۡ مَن یُنَجِّیكُم مِّن ظُلُمَـٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ تَدۡعُونَهُۥ تَضَرُّعࣰا وَخُفۡیَةࣰ}.
تأمل دقة الوصف
(تضرعاً وخفية).
في قلب العاصفة، أو في غرفة العناية المركزة حين ترقب مؤشر النبض يتهاوى.. ربما لا تدعو بصوت عالٍ لتلفت الانتباه، ولا تدبج خطباً رنانة. فقط ستهمس من الداخل، بانكسار حقيقي، وذلٍ خالص، وعجز يملأ المسام.
وهناك، وسط الظلام، ستعقد أضخم صفقة في حياتك: {لَّئنۡ أَنجَىٰنَا مِنۡ هَـٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِینَ}.
“فقط أخرجني من هنا يا رب، وسأتغير للأبد..
سأكون عبداً شكوراً، صالحاً، ولن أعود لغفلتي أبداً”.
المأساة الحقيقية لا تكمن في ضعفنا وقت الخوف، ولكن في “ذاكرتنا المثقوبة” وقت الأمان.
{قُلِ ٱللَّهُ یُنَجِّیكُم مِّنۡهَا وَمِن كُلِّ كَرۡبࣲ ثُمَّ أَنتُمۡ تُشۡرِكُونَ}.
بمجرد أن تهدأ العاصفة، وتلامس الأقدام رمال الشاطئ، وتستقر أرقام جهاز النبض..
ننسى!
ذلك العهد السري يتبخر، وقد نتنكر لدموع الخوف، ونعود لنبني أسوارنا القديمة.
نعود للغرور، ونسند الفضل لـ “مهارة القبطان”، أو “كفاءة الطبيب”، أو “ذكائنا الخارق في إدارة الأزمة”.
هنا، وحين يبلغ الجحود منتهاه، تتحول لهجة سورة الأنعام إلى إنذار كوني مزلزل.
إذا كنتم تظنون أنكم فررتم من عاصفة البر والبحر، فأين تهربون من رب السماوات والأرض؟
{قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰۤ أَن یَبۡعَثَ عَلَیۡكُمۡ عَذَابࣰا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ}.
لا توجد بقعة آمنة في خريطة المتمرد. السماء التي تظل قد تُمطر هلاكاً، والأرض الثابتة قد تبتلع.
لكن العقوبة الأشد، والأكثر إيلاماً من زلازل الأرض ونيازك السماء، هي عقوبة (التمزق الداخلي):
{أَوۡ یَلۡبِسَكُمۡ شِیَعࣰا وَیُذِیقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ}.
أن يرفع الله يد حفظه وتأليفه عنكم، فيترككم لأسوأ وحش على وجه الأرض:
“أنفسكم”!
حين تتفرقون شيعاً وأحزاباً، ويأكل بعضكم بعضاً في صراعات عبثية قاسية لا تنتهي فهذه عقوبة..
أن تصبحوا أنتم.. جحيمَ أنفسكم.
يا صديقي ..العبودية الصادقة ليست فقط المؤقتة تلك التي تنتزعها منك العواصف رغماً عنك، ولا الدعوات المحدودة التي تعتصرها منك أجهزة الإنعاش.
العبد الحق هو من يعرف ربه في هدوء الشواطئ، بنفس اليقين الذي عرفه به في زئير الأمواج.
فلا تكن كمن لا يذكر السماء إلا إذا كادت أن تسقط على رأسه.. ولا تنتظر “ظلمات البر والبحر” لتعقد صلحك مع الله.
تضرع إليه في لحظات أمانك، وابنِ سفينتك في وقت رخائك..