التصنيفات
المدونة

لا يستقيم إنك تعادي نموذج ترامب في موضع وتمجده في موضع آخر

إحنا فعلًا محتاجين نبص لنفسنا

بأفتكر في فترة ترامب الأولى لما كان النموذج بيثير إعجاب بعض الناس هنا من منطلق إنه الراجل اللي بيعرف ياخد اللي هو عايزه، وإنه بيشد مع خصومه للآخر وبيخضعهم وبيركّعهم وبيعلّم عليهم إلى آخر المصطلحات اللي بقى مفيش فيلم ولا مسلسل ولا أغنية ولا قعدة قهوة حتى بتخلى منها دلوقتي، وما بأقدرش أفصل ده عن الإعجاب المتزايد في العقدين الأخيرين بالنماذج “الناجحة” اللي بتعرف “تحقق” و”تنجز” و”تخلّص” عمومًا في المنطقة والعالم، وعمري ما شفتهم منفصلين أبدًا، ولا كان منطقي بالنسبة لي إن السياقات المختلفة تبرر الاصطفاف مع النموذج ده أو الإعجاب بيه.

يعني اللي حيعجبه ترامب الفنانين حيعجبه ترامب لعيبة الكورة وحيعجبه ترامب المثقفين وحيعجبه ترامب قعدة القهوة وحيعجبه ترامب الأصلي؛ كلهم “متحققين” و”منجزين” في سياقاتهم.

كل ده بغض النظر عن إن الراجل لا متحقق ولا منجز ولا خرة، مش أكتر من طفل مدلل اتولد لأب ملياردير جمع ثروته من الغش والنصب واستغلال المهمشين والفقراء، ونجح عبر مسيرته النجسة في الأعمال والتجارة والمجال العام إنه يجتذب كل العنصريين ومخابيل التفوق العرقي الأبيض والنبوءات والخرافات الدينية، وده مزيج صعب تلاقي له مثيل في الوضاعة والانحطاط البشري، لما يجتمع راس المال والقدرة والسلطة من ناحية، بكل ما يعنوه من احتقار للحياة والحقوق البشرية واضطهاد وسحق للمهمشين والمحرومين، مع خرافات دينية وعرقية وتاريخية أبعد ما تكون عن المنطق الحسابي النفعي المجرد اللي بيدير بيه ترامب وماسك وباقي أولياء الشيطان حساباتهم وتجارتهم الخاصة.

المجتمعات المسحوقة المخوخة المنهارة أخلاقيًا وعقديًا بتميل لتمجيد النماذج اللي زي ترامب لأنه ببساطة متحرر من كل القيود الأخلاقية والعقدية، و”نجاحه” بيوصلهم رسالة إنهم محتاجين يتحرروا منها زيه عشان “ينجحوا” زيه، والحقيقة إن المنطقة مليانة “ناجحين” زي ترامب، كل الفرق بينهم وبينه في عدد الطائرات والغواصات والدبابات وكفائتها، أو في سعر العملة، مش في المنهج ولا الأفكار، والناس بتصطف وراهم برضه لنفس الأسباب، لأنهم متجبرين وأقوياء فقط لا غير.

أنا كنت بأتضايق قوي أيام ثورة يناير لما كان بعض الناس بيطلعوا يقولوا المشكلة مش في النظام وبس، وإننا محتاجين نبص لنفسنا كمان لأننا عبر عقود طويلة طبّعنا -مرغمين أو راغبين- مع نفس الأساليب والأخلاقيات والمناهج، وكنت بأشوف ده فلسفة فارغة وحق يُراد به باطل، لكن مع الزمن اكتشفت -وغرْة كشفت للجميع- إنه لا يستقيم إنك تعادي نموذج ترامب في موضع وتمجده في موضع آخر، ولا يجوز إننا نلاقي لنفسنا تبريرات وأعذار من نوعية إن دي كورة، أو ده تمثيل، أو أصل ده كاتب أو إعلامي، ومش لازم نستنى لغاية ما كل ترامب في كل مجال يبقى بقوة وتجبر ترامب الأصلي عشان ندرك إنه حيدوس علينا بدون تردد، إحنا فعلًا محتاجين نبص لنفسنا، وده مش حيعطل/يتعارض أبدًا مع بُغضنا العميق الخام للنموذج الأميركي بشكل عام من نشأته لحد النهارده، ولا حيخلينا ننصرف عن جرائمه اللي ما توقفتش لحظة من ساعة ما لصوص ونصابين ومجرمين أوروبا قرروا يعبروا الأطلنطي، لكنه ممكن يِكسبنا شوية تجرد وشوية فهم لطبائع الأمور وحقيقتها، بدل ما إحنا كل شوية بنتفاجىء إن اللي بنطبل لهم وبنخضع لهم وبنقدسهم مش حيترددوا لحظة في إنهم يتجاوزوا أي قيود أخلاقية معانا، من أول التجاهل والاحتقار لحد الإبادة، وليس لها من دون الله كاشفة.

المصدر