التصنيفات
مقالات الضيوف

لآليات التحكم بالمعلومات وتشكيل الوعي

كيف تتحول إلى “مواطن صالح”

أحد الأمور التي أثبتتها الدفعة الأخيرة من ملفات إبستين هو أن “نظريات المؤامرة” لم تكن “متآمرة بما يكفي” حتى لمجرد الاقتراب مما كان يحدث بالفعل.

الأهم من ذلك هو أن علينا الانتباه لحقيقة كوننا جزءاً من “تجربة عملية” تحدث في الزمن الفعلي، نتعرض خلالها لتطبيق شبه مثالي لآليات التحكم بالمعلومات وتشكيل الوعي وردود الأفعال العامة، وكيف أن تلك الآليات تُستخدم بحذافيرها في كل مكان كوسيلة للاحتواء والسيطرة.

تخيّل أن جهة نافذة – سواء كانت مؤسسة، أو نظاماً، أو مجموعة من “أفراد النخبة”- علمت بحصول فرد أو أكثر على معلومات تدينها، وأنه على وشك نشرها (أو بدأ بالفعل)، وأن “اغتياله” ليس خياراً مطروحاً في الوقت الحالي (وإلا لكانت قد فعلت ذلك مسبقاً)؛ كيف تتصرف حيال هذا الأمر؟

المرحلة الأولى هي السخرية، التشكيك، وتقييد مسارات النشر.

السخريةُ والتشكيكُ هنا لا يستهدفان المعلومات ذاتها، وإنما حاملها. الهدف الأساسي هو “اغتيال شخصية” ناقل المعلومة لقتل مصداقيته، بحيث يتم التحكم مسبقاً في كيفية استقبال العامة لما يقوله. يتم هذا الأمر بالتوازي مع التضييق على مسارات النشر المتاحة له، بحيث تنحصر في منصات “موصومة” ومنخفضة المصداقية، غالباً كونها هي نفسها تتعرض لنفس حملات التشويه التي تعرض لها الشخص.

سيتم نعت الشخص بأنه مجنون، أو منخفض الذكاء، أو “مؤمن بنظريات المؤامرة”، أو عدو للشعب. ستُستخدم الـ Memes بكثافة، وتُنشر شائعات حول حياته الشخصية -سواء كانت حقيقة أم لا- لخلق حاجز نفسي بينه وبين المُتلقي.

ماذا لو لم ينجح الأمر؟

عندها يبدأ الانتقال إلى استراتيجية “تسميم البئر”.

في البداية، تقوم الجهة بالاعتراف ببعض الأجزاء الثانوية وغير المهمة من المعلومات المسربة كحقائق، مما يعطي العامة “عظمة” ينشغلون بمضغها. بعدها، يتم نشر “تسريبات إضافية” أكثر حدّة بمراحل من تلك التي اعتُرف بها، ولكن هذه المرة سيكون مصدرها هو الجهة ذاتها، وستكون هذه التسريبات مُختلقة بالكامل، مع امتلاك وسيلة لإثبات كذبها لاحقاً بما لا يدع مجالاً للشك.

تعمل هذه المعلومات الكاذبة كـ “طُعم” لجذب انتباه العامة بعيداً عن الحقائق التي تم الاعتراف بها، وذلك لأنها ببساطة أكثر صدمة. وبمجرد أن يبتلع العامة الطعم، يتم نشر إثبات كذب “التسريبات الجديدة”. تكرار هذا الأمر عدة مرات يؤدي إلى نتيجتين: التقليل من -أو حتى إسقاط- مصداقية المعلومات الحقيقية المرتبطة، ورفع “عتبة الصدمة” لدى العامة بشكل يمكن التنبؤ به. بعبارة أخرى، هذه الاستراتيجية يمكن استخدامها أيضاً كأداة “تهيئة تدريجية” بغرض التحكم الكامل في رد الفعل الجماهيري.

ماذا لو كان كل ذلك غير كافٍ، كما هو الحال في ملفات جيفري إبستين؟

في هذه الحالة، سيتعين اتباع استراتيجية “الفيضان”.

بدلًا من تقنين أو منع نشر المعلومات، يتم حرفياً إغراق العامة بها.

الهدف من هذه الاستراتيجية هو “شل” قدرة العقل الجمعي على المعالجة. في حين أن وثيقة واحدة من تلك الملفات قد تكون كافية لإحداث اضطرابات مدنية دولية، فصبّ ملايين الوثائق فوق رؤوس الناس دفعة واحدة يجعلهم عاجزين عن اتخاذ أي رد فعل؛ ببساطة سيصبح من الصعب تحديد “تجاه ماذا” يجب أن يكون رد الفعل بالضبط وسط هذا الركام المعلوماتي.

هناك هدف آخر لتلك الاستراتيجية، وهو رفع “السماحية الجمعية” للجرعات الإجرامية، بحيث تصبح ردود الفعل تجاه الملفات القادمة -والتي من المؤكد أنها أسوأ- أقل حدة مما يجب أن تكون عليه.

الأمر يشبه التعاطي إلى حد كبير. في كل مرة تزداد فيها الجرعة، تصبح بحاجة لجرعة أكبر وأشد فظاعة لتصل لنفس مستوى التأثّر والغضب، إلى أن تصل لمرحلة “التّبلُّد التام”، وعندها تُصبح مطيّة مُطيعة مُدجّنة.

أو بعبارة أخرى ، تتحول إلى “مواطن صالح”.

المصدر