التصنيفات
مقالات الضيوف

كل ما يُذكر يحيا. كل ما يُنسى يموت

الأفكار ينقلها الناس، ويجب نشرها وتعليمها وتثبيتها وتكرارها ومزاحمة الباطل في كل وقت. ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض.

واحدة من أكثر حقائق الحياة إيلامًا وأحد أسباب عزلة كبار السن أنّ المعارف والقيم والمعاني لا تنتقل انتقالاً ذاتيًا، بل لا بد من التكرار.

حتى البدهيات تحتاج إلى من ينقلها. “كل ما يُذكر يحيا. كل ما يُنسى يموت“.

ما نراه حقًا وصوابًا إن لم ننقله للأجيال القادمة اختفى وصار غريبًا، لأن الزمن يطحن كل شيء. والمتواتر اليوم قد ينقطع غدًا، والاستثناء قد يصبح هو القاعدة، والمعلوم بالضرورة قد يصير مجهولاً. لأن الأفكار والمعتقدات التي نؤمن بها لا تنتقل انتقالاً ذاتيًا، مهما كانت بدهية.

الأفكار ينقلها الناس، ويجب نشرها وتعليمها وتثبيتها وتكرارها ومزاحمة الباطل في كل وقت. ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض.

وهذا في كل شيء. (ومن هنا، بالمناسبة، تكمن قيمة الكليشيهات التي يتعالى عليها أكثر الناس في المراحل المبكرة من حيواتهم).

تكمن المشكلة في وجه من أوجه قصور التفكير الإنساني، وهو اعتقاد الإنسان أن تاريخه هو تاريخ العالم، وليس هذا بصحيح. وقد أتى عليك حين من الدهر لم تكن شيئًا مذكورًا.

فالحقائق التي اكتشفتها والأمور التي فرغت منها والتجارب التي خضتها والمعارف التي حصلتها، كل هذا خاص بك وحدك. خارج رأسك تدور الحياة، وفيها بشر يكتشفونها للمرة الأولى، وآخرون فرغوا منها أو كادوا. وكما أنتم كذا كنا، كما نحن تكونونا.

آسف لو بدا في كلامي هذا شيء من قلة المراعاة، لكنّ الحرب الحالية نتجت عنها بعض المكاسب التي دفع ثمنها غاليًا (وأتحدث هنا تحديدًا عن المكاسب المتعلقة بالسردية). ولست هنا في سياق مناقشة الثمن المدفوع، بل أصف الواقع.

وسيكون من باب خيانة الأمانة والخذلان لدمـ.ـاء الضـ.ـحايا وتضحياتهم أن نتوقف عن الحديث اعتقادًا منا بأن كل شيء واضح.

لا مفر من الحديث لترسيخ هذه المكتسبات والحقائق (عدالة القضية وبشاعة أعدائنا وما ارتكبوه إلخ). بعد سنوات قليلة من الآن، ستمر مر السحاب، سيأتي جيل لا يعرف شيئا عن هذه المقتلة التي شكلت تصوراتنا عن العالم.

كل هذه المـ.ـذابح والجرائـم قد تنسى بعد أعوام قليلة من الإغراق في الترفيه. واجبنا أن نوثق الجرائم ونوثق البطولات والتضحيات والأثمان المدفوعة ونوصل صوت أهلنا ونكرر الدروس المستفادة والحقائق إلى تترسخ ونتم مهمتنا في نقلها إلى الجيل الذي يلينا.

هذا القدر الواجب متاح لكل واحد فينا. وتفريط الإنسان في الممكن المتاح الأقل فاعلية انتظارًا لغير المتاح الأكثر فاعلية، علامة على غياب الرغبة في الفعل. ومن لم يفعل القليل المتاح لن يفعل الكثير حين يكون متاحًا.

المصدر