التصنيفات
مقالات الضيوف

عن حرمة الموسيقى

هناك فرق كبير بين ما هو حرام بالإجماع وما هو حرام عند الجمهور

كلام غير صحيح؛ فالموسيقى ليست من الكبائر باتفاق أهل العلم، وتحريمها ليس بالإجماع بل هي محرمةٌ عند الجمهور؛ وهناك فرق كبير بين ما هو حرام بالإجماع وما هو حرام عند الجمهور ..

فالإجماع يعني عدم احتمالية وجود رأي آخر في الموضوع؛ مثال: إجماع علماء العصر على حرمة أن يقوم ممثل بتمثيل شخصية النبي صلى الله عليه وسلم في الأفلام والمسلسلات، هذا اسمه انعقاد للإجماع ولا تجوز مخالفته.

أما قول الجمهور فهو قول الأكثرية ولا شك أنه الأقوى، لكنه لا ينفي وجود رأي آخر ومن أخذ بالرأي الذي يخالف قول الجمهور فلا حرج عليه ما دام قولًا مقبولًا عند أهل العلم.

فالموسيقى حرام عند جمهور أهل العلم ولكن ليست محرمة بالإجماع، ولم ينقعد الإجماع على حرمتها؛ لعدم وجود نص صحيح صريح يقضي بالتحريم.

ماذا أعني بالنص الصحيح الصريح؟ النص نقصد به آية قرآنية أو حديث نبوي، والصحيح يعني أن يكون حديثا مقطوعًا بثبوته وصحته فلا يكون مثلا حديث ضعيف لأن الحديث الضعيف لا يكفي لإصدار حكم التحريم؛ ونقصد بالصريح أن يكون واضح الدلالة على الحرمة فلا يحتمل معنى غير التحريم.

ولذا كان أستاذنا الدكتور محمد عمارة – رحمه الله – يقول عن النصوص الموجودة في موضوع الموسيقى: (كل نص صريح في تحريم الموسيقى فهو غير صحيح، وكل نص صحيح السند في تحريمها فهو غير صريح).

بمعنى أنه قد تكون هناك أحاديث صريحة في تحريم الموسيقى ولكنها ليست صحيحة بل قد تكون ضعيفة مثلا وبالتالي يتم استبعادها من الأدلة؛ وقد تكون هناك نصوص صحيحة ولكنها غير صريحة في التحريم.

فإن قال قائل ولكن الآية تقول : (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله )؛ وقد فسر بعض أهل العلم اللهو بأنه الموسيقى أو الغناء قلنا له هذا لا يكفي للتحريم؛ لأنه قول المفسر وليس نصا شرعيا مقطوعا به، فالتفسير ليس من مصادر التشريع؛ وهناك تفسيرات أخرى وردت في سبب نزول الآية بعيدا عن تفسيرها بالموسيقى والغناء.

أما النص الوحيد الموجود لدينا في مسألة الموسيقى هو حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (ليأتين على الناس زمانٌ يستحلون الحِرى والحرير والخمر والمعازف)؛ فقد ذهب الجمهور إلى حرمتها مستدلين بهذا الحديث.

ولنا مع هذا الحديث وقفة فهو أهم دليل يتمسك به القائلون بحرمة الموسيقى، وقد ذكرت فيه أربعة أشياء:

١ – الحِر (إشارة إلى الزنا)، ٢ – لبس الحرير (للرجال). ٣ – الخمر.

٤ – المعازف.

فتحريم الثلاثة الأولى هو تحريمٌ قطعي بالإجماع لوجود نصوص أخرى كثيرة صحيحة صريحة في تحريم هذه الثلاث، وأما الرابعة (المعازف) فلم يكف هذا الحديث كدليل على تحريمها بالإجماع، وذلك لعدم وجود دليل صحيح صريح يدعم هذا التحريم (كما في الثلاثة الأول)؛ وإنما حرمها الجمهور بما يسمى عند الفقهاء بدلالة الاقتران؛ ودلالة الاقتران تعني أنها محرمة لاقتران ذكرها بأمور محرمة كالخمر والزنا.

ودلالة الاقتران هي دلالة ضعيفة جدا في التحريم عند الأصوليين والفقهاء، لأنه قد تقترن أشياء ببعضها ولكن يكون لكل منها حكم منفصل مثل قول الله تعالى (كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده) فهنا يأمر الله عز وجل بشيئين: الأول بالأكل من الزرع إذا أثمر، والثاني: بأداء حقه عند الحصاد (أي دفع زكاته)، والعلماء متفقون على أن حكم الأمر الأول يختلف عن الثاني رغم اقترانهما؛ فالأكل من الزرع حكمه الإباحة، ودفع الزكاة حكمه الوجوب؛ فالشاهد أن تحريم المعازف والموسيقى بناء على دلالة الاقتران بالخمر والزنا هي دلالة ضعيفة ردها عدد من العلماء قديمًا وحديثًا لأن اجتماع ذكرهم لا يعني أن يجري عليهم نفس الحكم.

وقد صنف الإمام الشوكاني كتابًا خاصًا سماه (إبطال دعوى الإجماع على تحريم مطلق السماع) يقصد سماع الموسيقى، وفصل الإمام ابن حزم الظاهري الكلام على عدم حرمة الموسيقى في كتابه المُحلى وأورد الكثير من الأدلة على إباحتها ورد قول من حرموها، وبهذا قال الإمام أبو بكر بن العربي وغيرهم.

بل وقبل ذلك كله روي عن بعض الصحابة كعبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن الزبير ، وعبد الرحمن بن عوف أنهم لم يقولوا بالحرمة (وراجع في ذلك كتاب الشوكاني)، كما وردت بعض الروايات الصحيحة أن الإمام مالك نفسه لم يكن يُشدد في أمر المعازف (وراجع في ذلك شرح مختصر خليل وغيره).

ولا شك أن هذا الاختلاف بين العلماء إنما هو في حكم الموسيقى وحدها؛ أما إذا اقترنت بالغناء ففي هذه الحالة تكون كلمات الأغنية هي الحكم على الموضوع، يعني إذا كانت الموسيقى مصحوبة بأغنية تدعو للفاحشة وشرب الخمر مثلا ففي هذه الحالة هي محرمة عند الجميع بلا شك ولكن ليس لحرمة الموسيقى في ذاتها بل لحرمة الكلام المصاحب لها.

الخلاصة أننا يجب أن نفرق بين الغناء وبين الموسيقى؛ فالغناء كلام حلاله حلال وحرامه حرام، وأؤكد أن الغناء الذي يدعو للفاحشة محرم في ذاته حتى وإن لم تصاحبه الموسيقى، تماما كما يحرم كل الكلام الفاحش حتى وإن لم يكن غناء.

أما الموسيقى وحدها دون غناء، أو عند اقترانها بكلمات غير محرمة فهذه هي التي وقع فيها الخلاف، فجمهور العلماء يرى حرمتها ولكن ذلك ليس بإجماع (والفرق كبير شرعًا بين الإجماع والجمهور كما وضحت).

أما ما فعله كثير من الشيوخ والدعاة الذين صوروا للناس أن الموسيقى محرمة بالإجماع قولا واحدًا لا يقبل الشك فهذه إشكالية أدت مع مرور الزمن إلى مثل هذا الكلام المذكور في البوست والذي لم يقل به أحد من أهل العلم لا في قديم ولا حديث؛ بل يخشى أن يكون افتراء على الله ورسوله؛ فالكبائر لا تحدد إلا بنص من قرآن أو سنة.

وأما قولها أن من سمع الموسيقى وهو حافظ للقرآن فسوف يعاقب وينسى القراءة فلعلها أخذت ذلك من قول ابن القيم رحمه الله أنه لا يجتمع القرآن وحب الغناء في قلب واحد؛ وهذا الفهم من الأخت فيه إشكالية لأن ابن القيم يتكلم عن الغناء المحرم (وليس عن الموسيقى في ذاتها)، بل حتى وإن كان يتكلم عن الموسيقى فهذا متفق مع مذهبه في تحريمها ، ولكنه كلام وعظي وليس قاعدة في التحريم الذي لا يكون إلا بنص ولا يمكن الجزم بأن من حفظ القرآن وسمع الموسيقى سيعاقب بهذا الشكل.

وإن قال قائل: ولكن الموسيقى تثقل القلب وتظلمه؛ قلنا له: هذا ما تفعله الموسيقى بك أنت وليس بالضرورة أن تفعل ذلك بالجميع؛ فنحن لا نلزمك أن تسمع الموسيقى بل اتركها ما دامت تؤثر سلبا في قلبك، ولكن شعورك الشخصي ليس بدليل شرعي على التحريم.

وإن استدلّ أحدهم بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الوقوع في الشبهات قلنا له أخطأت فهذا نهي استحباب وليس نهي وجوب؛ هذا طبعا في حالة كونها شبهة؛ وهو غير صحيح فلو كانت شبهة ما غض الطرف عنها صحابة كرام ولا أجازها علماء عظام كما بينا.

ومع ذلك من أخذ بحرمة الموسيقى من باب الأحوط فجزاه الله خيرا، ولكن الأخذ بالأحوط ليس واجبا بل هو مستحب عند أهل العلم لأن الناس يتفاوتون في همتهم فليس له أن يلزم الجميع بما يأخذ به.

فأمانة العلم تقتضي أن نقول إن تحريم الموسيقى ليس من مسائل الإجماع (وأكرر أنني أتكلم عن الموسيقى نفسها وليس عن كلمات الأغاني الفاحشة التي هي محرمة لذاتها وليس بسبب الموسيقى المصاحبة لها).

فمن أخذ بجواز الموسيقى فقد خالف رأي الجمهور ولكنه لم يرتكب كبيرة من الكبائر ولا محرما في الدين بالضرورة كما تقول صاحبة البوست، بل أخذ برأي علماء عظام لهم شأنهم ومكانتهم.

المصدر