أكبر جريمة تُرتكب في حق بناتنا وشبابنا باسم الدين، هي الترويج لفكرة أن القرب من الدين ترافقه المثالية، وأن الشخص المتمسك بدينه يجب أن يكون بعيدًا عن الخطأ والذنوب.
وهذا، والله جرم عظيم في حق الدين والمجتمع والمسلمين.
لأنه يجعل الناس يختارون الاختيار الأسهل عليهم وهو الابتعاد تمامًا عن هذا الدين الذي يريدهم مثاليين وهم لن يستطيعوا، أو يظهرون للناس مثاليتهم بينما هم يعيشون في عذاب داخلي كلما وقعوا في الخطأ؛ والدين بريء من هذا كله!
فالمؤمن الحق في نظر الإسلام هو من يعترف بضعفه، ويسعى لعلاجه، ويجاهد نفسه ليصلحها ما استطاع.
أما إذا ربطنا التدين بالمثالية الزائفة، فإننا بذلك نمنع الناس من الاعتراف بمشكلاتهم، وتبدأ عزلة النفس، ويظل الشخص في دوامة من الصراع الداخلي، مُصابًا بالذنب دون أن يجد علاجًا.
هذا والدعاة الذين يروجون لفكرة المثالية أنفسهم ليسوا بمثاليين (ولن يكونوا) وهم يعلمون ذلك جيدا، فهم أول من يُخفي ضعفه وأخطاءه. ويقتاتون على صورة زائفة من الكمال، بينما هم في حقيقة الأمر في حاجة إلى المساعدة والتوجيه مثل غيرهم.
العديد من المشكلات يعاني منها أصحابها في صمت، لا لأن الحل مفقود، بل لأن الاعتراف بها قد أصبح يُعتبر عيبًا! وهذا يخلق مجتمعًا يخجل من ألمه، ويخفي جراحه، بدلاً من أن يواجهها ويعالجها.
خذ مثالًا واضحًا على ذلك: مشكلة إدمان المواقع الإباحية، التي انتشرت بشكل غير مسبوق في هذا العصر، ويعاني منها الكثير من الشباب، بل والفتيات، في الخفاء. وهم يعلمون في أعماقهم أنه خطأ، لكنهم يترددون في طلب المساعدة (إلا قلة قليلة تتجرأ وتبحث عن حل) أما البقية فيعانون في صمت لأنهم يخشون أن يُدانوا أو يُعتبروا قد خرجوا من دائرة الإيمان.
بينما في سيرة الصحابة الكرام أنفسهم ـ وهم خير البشر بعد الأنبياء ـ نجد أن بعضهم قد زلّت به القدم، فوقع في الكبائر مثل شرب الخمر والزنا، ومع ذلك لم يُخرجهم ذلك من دائرة الإيمان، ولم يسلبهم شرف أن يكونوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فحين أُتي بالنعيمان بن عمرو رضي الله عنه بعد أن شرب الخمر عدة مرات (وليس مرة واحدة)، قال نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم عنه: “لا تلعنوه، فوالله ما علمتُ إلا أنه يحب الله ورسوله”.
الدين لم يأتِ ليمدح المثاليين الذين لا يخطئون (فهم لا وجود لهم أصلاً) ، بل جاء ليعين الضعفاء الذين يسعون لتصحيح أنفسهم.
والتدين لا يعني أنك لا تسقط، بل يعني أنك لا ترضى بالسقوط، وأنك تبحث لنفسك عن حلول، وتطلب العون إذا احتجته، وتنهض في كل مرة من جديد بقلبٍ يرجو رحمة الله.