التصنيفات
مقالات الضيوف

عن إصرار أعوان الظلمة على طريقهم، رغم انكشاف الباطل

أليست فيهم بقية عقل أو ضمير؟ ألم تكفهم آيات الله التي يرونها واحدة تلو الأخرى؟ ألا يغتنمون فرصة فيتوبوا ويندموا ؟

قلتُ يومًا لمعلمي الشيخ إبراهيم طه – رحمه الله -: ما أغبى أبا لهب! نزلت فيه سورةٌ صريحةٌ تُخبره أنه في النار وهو يسمع ولا يحرك ساكنًا؛ فلو كان ذكيًا لتظاهر بالإسلام (ولو كذبًا) فقط ليُحرج النبي صلى الله عليه وسلم أمام الناس، ويقول له: ها أنا قد أسلمت فماذا ستفعل يا محمد في هذه السورة؟!

نظر إليّ شيخي مبتسمًا، ثم قال لي:” يا بني! لم يكن غباءً في التفكير بل كان طمسًا على البصيرة، لم يكن عجزًا في العقل بل ختم على القلب”.

منذ ذلك اليوم تغيرت نظرتي للسورة لم أعد أراها فقط وعيدًا لأحد أعداء النبي صلى الله عليه وسلم، بل صرت أرى هذه السورة كمعجزة وحدها. فالله سبحانه لم يمنع أبا لهب من الإسلام؛ بل سلبه حتى القدرة على التظاهر به!

مات أبو لهب بعد عشر سنوات من نزول هذه السورة؛ عشر سنوات كاملة والقرآن ينطق بهلاكه باسمه، وهو يسمع وباقٍ على الكفر دون تردّد، وكأن قلبه لا يتحرك، ولا عقله يعمل!

وما كان ذلك عن جهل، ولا عن سهو، بل لأن الله سبحانه —بما علمه من خُبث سريرته، ونفاق باطنه— خَتَمَ على قلبه، فسُلب نور البصيرة، ومُنِع من الهداية، بل حتى من التظاهر بها، ليكون آيةً في التاريخ على عدل الله سبحانه الذي لا يظلم أحدًا، ولكنه لا يهدي من اختار العمى على الهدى!

تراودني فكرة هذا العدل كلما رأيت إصرار أعوان الظلمة على طريقهم، رغم انكشاف الباطل، ووضوح الحجة، وتتابُع الآيات التي تكاد تنطق على مسامعهم، تذكّرهم وتُنذرهم، فلا هم يذكرون، ولا هم عن غيهم يرجعون.

أنا لا أتكلم هنا عن الظلمة أنفسهم ولا عن المستفيدين منهم بل أتكلم عن عوامٍ من الناس باعوا دينهم بدنيا غيرهم، فيسيرون خلف كل ظالم يطبلون له، ويبررون ظلمه، ويدافعون عنه، رغم أنهم يعلمون في قرارة أنفسهم أنهم ليسوا إلا مجرد أدوات تُسحق بعدما ينتهي دورها.

قد يتساءل بعض الناس: أليست فيهم بقية عقل أو ضمير؟ ألم تكفهم آيات الله التي يرونها واحدة تلو الأخرى؟ ألا يغتنمون فرصة فيتوبوا ويندموا ؟

ولكن الحقيقة أن ذلك من تمام حكمة الله سبحانه؛ إذ ختم على قلوبهم، وطمس على بصيرتهم، فلا تنفعهم آية، ولا تردهم عبرة؛ لتثقل صحائف ظلمهم حتى إذا حان الوقت وقفوا للحساب بين يدي رب العالمين وليس في صحائفهم إلا حقوق المظلومين.

فلا تعجبوا إن تمادوا… فإنما يُمهلهم الله ليزدادوا إثماً، ويُقيم عليهم الحُجّة، ويُدنيهم من العاقبة التي اختاروها بأيديهم.

المصدر