التصنيفات
مقالات الضيوف

عمق الأزمة التي يعاني منها الخطاب الديني

لدى بعض الدعاة، وطريقة تعاطيهم مع النصوص.

النقاب واجب قولًا واحدًا ومن كشفت وجهها فهي آثمة، وعمل المرأة حرام بلا خلاف لأنها تختلط بالرجال، والموسيقى حرام بالإجماع بغض النظر عن كلمات الأغاني أو السياق …

نفس الذين يصرون على هذا الكلام ويقدمونه بوصفه الصواب الوحيد دون التفات لاختلافات فقهية ولا لآراء معتبرة، هم أنفسهم الذين يصرون الآن على القول بأن والدي النبي – صلى الله عليه وسلم – في النار قولا واحدًا، و يرمون من خالفهم (ولو من العلماء العظام) ببطلان عقيدته وربما خروجه من دائرة الإيمان.

الجدل الذي اشتعل في مصر على يد بعض الدعاة حول مسألة مصير أبوي النبي – صلى الله عليه وسلم – أهما في الجنة أم في النار، لا يمكن فهمه بوصفه خلافًا علميًا فحسب، بل هو يكشف بعمق الأزمة التي يعاني منها الخطاب الديني لدى بعض الدعاة، وطريقة تعاطيهم مع النصوص.

فالمسألة – من حيث الأصل – ليست من أركان الإسلام أو الإيمان، ولا يترتب عليها عمل، ولا تُغيّر حكمًا شرعيًا واحدًا في حياة الناس، ومع ذلك تحوّلت إلى ساحة استنفار باسم الغيرة على العقيدة!

وهنا يأتي السؤال الحقيقي: لماذا يصرّ بعض الدعاة على تبنّي أكثر التأويلات صدمةً للنفوس، وأشدها تناقضًا مع مقاصد العدل والرحمة، ويبحثون عن أكثر الآراء الفقهية تشديدًا في كل مسألة؛ ثم يقدمونها بوصفها المعيار الوحيد للصواب، ويتهمون كل من يخالفهم بأنه مميع للدين، أو مضيّع للعقيدة!

المشكلة الأساسية تكمن في محاولة إلغاء الخلاف تمامًا، رغم أن التاريخ الإسلامي حافل بالاختلافات الفقهية والاجتهادات والآراء المتنوعة التي تعكس عمق الفكر والفقه الإسلامي وسعة ورحابة النصوص …

إن إصرار هؤلاء الدعاة على تقديم أشد الآراء والتأويلات بوصفها الصواب الوحيد هو تجاوز لهذا التنوع، وتجاهل لمقاصد الشريعة في الرحمة والعدل واليسر، وجريمة في حق من يستمع لهم.

فهذا الخطاب لا يقتصر أثره على الجدل حول مسألة معينة، بل يمتد ليشكل نمطًا من الدعاة يستغلون الدين كوسيلة للهيمنة الفكرية على الشباب والفتيات ، فيخرج للمجتمع أناسًا متعصبين يظنون أن الله هداهم وحدهم ولم يهد أحدًا سواهم!

مقطع من محاضرة حول اختلاف الآراء الفقهية

المصدر