التصنيفات
مقالات الضيوف

ظاهرة “مجتمع من المخبرين”

مهما حاول البعض الترويج ليها على إنها نجاح أو تحديث أو قرب من المواطن

بانوبتيكون Panopticon هو مصطلح معناه مراقبة الكل. وده كان تصميم لنوع من السجون بيسمح لمراقب واحد إنه يراقب كل المساجين من غير ما يعرفوا هما متراقبين ولا لأ، ومن غير ما يعرفوا بالضبط مين بيراقبهم أو إمتى بيراقبهم..

بقالي فترة بتكلم مع أصحابي عن ظاهرة “مجتمع من المخبرين”..

واللي الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية في رأيي هي سبب فيه.. وهي حالة سلبية جدا.. مهما حاول البعض الترويج ليها على إنها نجاح أو تحديث أو قرب من المواطن.. لأن انتقال المشهد الأمني من المكاتب والتحريات والإجراءات إلى السوشيال ميديا.. وإن الناس تمشي ماسكة الموبايل تصور أي موقف وتعمل منشن.. فده مش مؤشر أمني أبدا.. ده مؤشر واضح على إن ناس كتير حاسة إن لو راحت القسم أو سلكت الطريق الطبيعي للمطالبة بحقها، مش هتاخده بالكفاءة نفسها، أو يمكن متاخدش حقها أصلا..

وأنا هنا مش بتكلم عن وجود صفحة رسمية في حد ذاته ولا في استخدام السوشيال ميديا كأداة مساعدة.. الفرق كبير بين إن المنصة تبقى وسيلة إضافية.. وبين إنها تتحول بالتدريج لمسرح بديل للأمن والعدالة.. الله يمسيك بالخير يا باسم يا سمره..

لما الحق يبقى محتاج كاميرا فإحنا هنا قدام عرض واضح لأزمة ثقة في المسار المؤسسي نفسه وفي العدالة الإجرائية نفسها..

الأمن في معناه البسيط هو احتكار الدولة لاستخدام القوة والإكراه المشروع داخل مؤسساتها الرسمية.. فلما المجال العام يتحول لساحة بلاغات مستمرة، ومشاهد توثيق، وضغط جماهيري لحظي، فده معناه إن جزء من الوظيفة الأمنية بدأ يخرج من المؤسسة ويتوزع على الجمهور.. وده مش وضع يقول إن الأمن بقى أقوى.. بل بالعكس الوضع ده بيقول إن الثقة في إن المؤسسة تقوم بدورها مبقتش كافية..

التحول من الإجراءات إلى التريند بيخلق مشكلة تانية خطيرة جدا.. لأن فيه آلاف الحالات اللي مطلعوش تريند، وبالتالي ما أخدوش نفس الاهتمام ولا نفس سرعة الاستجابة.. في الوضع الطبيعي المؤسسة الأمنية المفروض عندها ترتيب أولويات عقلاني وموضوعي.. لكن مع ثقافة المنشن والاستدعاء الجماهيري فبيحصل ضغط للاستجابة على أساس حجم التفاعل مش على أساس الوزن الحقيقي للواقعة..

وهنا تبدأ الاستجابة تتحول لاستعراض.. الناس اتكلمت، فإحنا اتحركنا.. وده يفتح باب خطير جدا لأن العدالة هنا متبقاش حق عام متاح للجميع.. لكنها تبقى أقرب لمورد غير متكافئ ياخده اللي يعرف يلفت الانتباه أكتر..

ده موضوع مدروس في علم الاجتماع والعلوم الأمنية.. فيه مفهوم مهم اسمه المراقبة الأفقية أو lateral surveillance ومعناه ببساطة إن أدوات الرصد والتتبع تنتقل من المؤسسات إلى الأفراد في المجتمع.. المواطن ميبقاش مجرد شخص بيطالب بالأمن.. لكنه بيتحول بالتدريج إلى جزء من العملية الأمنية نفسها.. وبالمناسبة ده بيخفف من مطالبة المجتمع بالأمن.. لأنه بيبدأ يشوف نفسه جزء من العملية الأمنية.. مش دور الأجهزة فقط..

وهنا نرجع لفكرة البانوبتيكون.. لكن في صيغة رقمية متطورة.. المسألة مبقتش إن السلطة بتراقب المجتمع فقط.. بل إن المجتمع نفسه يبدأ يتصرف على أساس أنه دايما تحت المراقبة.. ودايما قابل للتحول إلى مادة أمنية أو أخلاقية أو إعلامية..

والأخطر إن الغموض نفسه هنا بقى جزء من القوة.. مفيش معايير واضحة.. يعني اللي بيعمله فنان مشهور بشكل طبيعي.. لو عمله مواطن عادي هيبقى سبب انه ينور صفحة الداخلية.. وحتى زمنيا.. اللي عادي النهارده ممكن ميبقاش عادي بكره.. ومكانيا.. اللي عادي في الساحل.. بقى جريمة في بولاق الدكرور..

الموضوع ده مهم لأنه كمان بيغير أخلاق المجتمع نفسه.. نظام جديد biased بشكل واضح.. بيكافئ سرعة الإبلاغ.. وبيمنح المخبرين شكل جديد مقبول بل أحيانا جذاب.. الوشاية نفسها بتتحول لممارسة يومية، مشحونة في معظم الأوقات بدوافع سياسية وأخلاقية خارج إطار القانون تماما.. وبقى سهل جدا تحويلها لباب لتصفية الحسابات الشخصية أو الخصومات الأيديولوجية أو حتى الكراهية العادية.. لكن بأدوات الدولة نفسها.. وفي شكل وطني جميل..

وفي السياق المصري بالذات الظاهرة دي مينفعش تتفهم باعتبارها مجرد تحديث في الاتصال الأمني.. لأن اللي حصل خلال الفترة الأخيرة هو انتقال واضح في جزء معتبر من الممارسة الأمنية والقانونية من المكاتب والتحريات والإجراءات التقليدية للسوشيال ميديا.. لكن أثره الأعمق في رأيي هو إعادة تشكيل العلاقة بين المجتمع والأمن.. المراقبة المتبادلة والفضح العلني وتحويل المستخدم العادي لوسيط ضبط أو مخبر رقمي..

وكل ده لو حطيناه في سياق أوسع هنشوف صورة واضحة لفضاء رقمي مبقاش مجرد أداة تواصل.. لكنه بقى أداة مركزية في إنتاج الطاعة وتطبيع الرقابة وصناعة أفراد هم نفسهم جزء من ماكينة الرصد.

ولو كملنا الفكرة للآخر هنلاقي إننا بقينا قدام شيء أقرب إلى مجتمع تحكم مش مجتمع منضبط.. وتشابك غريب بين منطق المنصة platform logic ومنطق الأمن.. المنصة اللي بتكافئ التفاعل.. بقت جزء من عملية أمنية برضو بتتحرك بالتفاعل..

الدولة القوية مش هي اللي تنجح في تحويل المواطنين لعيون إضافية.. لكن اللي تقدر تخلي الناس تستغنى عن ده أصلا.. لأنها واثقة إن الحق له طريق واضح وإن القانون له باب..

المصدر