التصنيفات
مقالات الضيوف

رواية المعتدي القوي والضحية الضعيف

فهو يعني صحيح أهل مكة أدرى بشعابها بس الصراعات لها قواعد

فيه طريقة سطحية واختزالية في رواية التاريخ بترد أحداث كبيرة وفارقة إلى أتفه أسبابها أو الوقائع اللي سبقتها على طول.. مش إن كل حدث هو محصلة تفاعلات وتراكمات وتقاطعات أو تناقضات في المصالح والإرادات..

فتبقى الحر.ب العالمية الأولى قامت عشان مراهق من القوميين الصرب نش ولي عهد النمسا والمدام بتاعته كام رصا.صة في سراييفو..

وتبقى الحر.ب العالمية التانية قامت عشان رسام إعلانات نمساوي محدود الموهبة خرج من الحر.ب العالمية الأولى زعلان شوية وبعدين سمع محاضرة تنمية بشرية وطلع منها يجري ورا حلمه بلبوص..

وتبقى بريطانيا احتلت مصر فوق 70 سنة عشان مكاري (عربجي يعني) وراجل مالطي مسكوا في خناق بعض على الأجرة في اسكندرية أو زي ما الزميل مصطفى كامل كان بيتهم الزميل أحمد عرابي بإنه استفز الإنجليز وهو مش قدهم..

لما تسمع كلمة (حادثة المروحة) ممكن تفتكر إن واحدة شلفطت وش سلفتها عشان ابنها لعب في زراير المروحة وبوظها بس الحقيقة ده سبب احتلال فرنسا للجزائر فوق 130 سنة عشان والي الجزائر العثماني حدف مروحة يد في وش القنصل الفرنساوي في خناقة على الديون (ديون فرنسا للجزائر بالمناسبة مش العكس)..

وتبقى بريطانيا د.مرت أسطول وجيش واستقلال الصين وغرّقت البلد كلها في (قرن الذل) عشان الحكومة الصينية صادرت شحنة أفيون كانت بريطانيا عايزة تدخّلها الصين عافية..

وتبقى الحر.ب الأهلية اللبنانية قامت عشان مسلح ماروني لبناني ضرب نار على بوسطة (أتوبيس يعني) محملة فلسطينيين في عين الرمانة في بيروت لأن شباب فصائل فلسطينيين كانوا بيتصرفوا تصرفات بلطجة على اللبنانيين..

وتبقى إسرائيل غزت لبنان ووصلت لبيروت واحتلت الجنوب 18 سنة عشان تنظيم فلسطيني مشموم منشق عن فتح ومش عضو في منظمة التحرير أصلا حاول يـ ـغتـ ـال السفير الإسرائيلي في لندن ويا ريته نجح حتى..

وتبقى أمريكا غزت واحتلت العراق عشان السي آي إيه لقت بواقي يورانيوم في قعر الكابينيه بتاع صدام حسين..

وتبقى المنطقة دي انقلبت عاليها واطيها عشان شاب بياع خضار و.لـ ـع في نفسه بسبب صفعة من ظابطة شرطة جربوعة في سيدي بوزيد في تونس..

وتبقى إسرائيل بتبـ ـيد غزة بسبب 7 أكتوبر..

الرواية دي اللي بترد المنعطفات الكبيرة أو حتى الصغيرة في التاريخ للوقائع المباشرة أو الدوافع الشخصية أو الاتهامات المحقة أو الملفقة أو حوادث المراوح بتاعت السلايف بتغفل قراءة سير الأحداث على نطاق زمني أوسع ومستوى تحليلي أعمق يعرض صورة واقعية عن المآلات الطبيعية (وأحيانا الحتمية) للتناقضات القائمة وجذور الصراعات كسيرورة ممتدة بشكل يخلي نقطة الانفجار تحصيل حاصل ومسألة وقت..

بالتأكيد حماس غلطت في حساباتها قبل 7 أكتوبر.. بالتأكيد الحاصل دلوقت مش هو النتيجة اللي قدّرتها أو توقعتها أو سعت لها وهي بتخطط للعملية.. بالتأكيد لو كانت الخطة اتناقشت في دايرة أوسع شوية من قيادة غزة والمجلس العسكري كان ممكن جدا جناح يعارضها بقوة فتتلغي ومتتنفذش.. لكن هل الحرب نفسها مكانتش هتحصل؟..

فحتى مع إن للغزاوي كل الأعذار اللي في الدنيا يلعن 7 أكتوبر ويتحسر على غزة قبل الحر.ب اللي كانت شاطرة في حلب الهوا واقتناص أقصى ممكنات الحياة تحت الحصار والتضييق لدرجة صعود شريحة معتبرة من المهنيين الأكفاء القادرين على استجلاب مدخولات بالدولار والإنفاق بأريحية لتعويض تردي الخدمات العامة والبنية التحتية المتهالكة (أنا معنديش فكرة كافية عن الحياة في القطاع قبل الحر.ب بس أعتقد فيه مبالغات شوية في وصف مستويات الرفاهية والاستهلاك إنما لهم كل العذر برضو)..

حتى مع كل ده فبعيد عن الأسباب المباشرة والأحزان المعذورة مش لازم أبدا يكون فيه إغفال للمسألة الجوهرية في الموضوع كله.. وهي إن فيه تناقض قائم مكانش هيفضل مجمد إلى الأبد لأن فيه مصالح ومشروعات كبرى وتيارات مهيمنة عند الطرف الأقوى مقاربتها للصراع صفرية وفيه مسار وطبيعة للصراع بتخلي انهيار الهدنات البينية ونقاط الانفجار مسألة وقت مش أكتر بغض النظر عن مين عمل إيه قبل الحريقة على طول..

فهو يعني صحيح أهل مكة أدرى بشعابها بس الصراعات لها قواعد.. وإسرائيل مكانتش هتسيب غزة في حالها للأبد تحلب الهوا وتبني وتعمر حتى لو مكانش فيها رصاصة واحدة.. وأظن واضح إنها مش هتسيب الضفة الغربية نفسها على ما هي عليه حتى تحت سلطة جاسوس مضروب بالجزمة زي محمود عباس.. ببساطة لأنها مش مضطرة تقبل بوجود الفلسطينيين للأبد.. لا دولتين بقى ولا دولة واحدة ولا نص دولة ولا أي تسوية من أي نوع..

ده مشروع استعماري استيطاني إحلالي عبارة عن استجلاب مادة بشرية أجنبية وتوطينها مكان السكان الأصليين في جغرافيا فلسطين التاريخية بالكامل بعد إزاحتهم بالقـ ـتل أو التهجير.. وأي حكومة تكون مستعدة للتفاوض حتى العبثي هي انحراف عن المسار الأساسي سرعان ما يتم تصحيحه.. وأي فترة هدوء بين جولتين ما هي إلا هدنة مؤقتة على طريق (الحل النهائي)..

فهنا متبقاش الإ.با.دة بتحصل لأن فيه فصيل معين (وطني أو عميل.. مبدئي أو براجماتي.. متطر.ف أو معتدل.. صنفه زي ما انت عايز) قرر تنفيذ عملية (محسوبة أو متهورة.. نضالية أو انتـ ـحار.ية عدمية.. إر.ها.بية مدانة أو مقا.ومة مشروعة.. صنفها زي ما انت عايز)، إنما لأن فيه مشروعين وسرديتين وجماعتين بشريتين على مسار تصادم من نقطة البداية الأولى خالص، أحدهما معتدي وقوي والتاني ضحية وضعيف، وكل طرف فيهم مش محتاج ذرائع وتبريرات واستفزازات عشان يقرر يهجم على التاني..

الكلام ده غرضه مش تبرئة حماس على الإطلاق.. إنما توضيح نقطة بديهية وبسيطة: في المشاريع الاستعمارية الاستيطانية الإ.با.دات مبتحصلش بسبب عملية مخططة بعينها أو تطور عفوي بعينه.. الإ.با.دات بتحصل لأنها جوهر المشروع وشرط نجاحه.. وفي حالة فلسطين فإسرائيل نفسها مشكورة مبتسيبش أي مجال لأي أوهام بخصوص الذرائع والمبررات ومبتسيبش فرصة تأكد فيها بإلحاح على إن الصراع مصيري وصفري ومفيهوش مجال للتفاوض والتعايش حتى لو كل الفلسطينيين نفر نفر بقوا (نباتيين سياسيًا) وبيمشوا في الشارع بالورود وأغصان الزيتون..

أهل غزة.. أو الفلسطينيين عموما.. ذنبهم مش 7 أكتوبر.. ذنبهم إنهم موجودين.. ووجودهم في الذهنية الإسرائيلية خطأ يجب تصحيحه وده بموافقة وتشجيع أصحاب المشروع الأصليين اللي سبق ونفذوا مشروعات من النوع ده في الست قارات بتوع الأرض.. الإ.با.دة عندهم زي صباح الخير.. فصباح الخير..

المصدر