التصنيفات
مقالات الضيوف

خلعت الحجاب بعد أن كانت ترتديه برغبتها منذ سن السادسة

هذه الجملة كانت مفتاح الإشكال

ابنتي البالغة من العمر ١٦ عامًا خلعت الحجاب بعد أن كانت ترتديه برغبتها منذ سن السادسة … هكذا شكت لي أمٌّ مسلمة مقيمة هنا في ألمانيا في إحدى جلسات الاستشارة.

كانت الأم تسرد القصة وهي تكرر أن ابنتها تلبس الحجاب برغبتها من سن السادسة وهي تظن أن هذا سببٌ للفخر وسيقابل مني بالفرح، غير أن هذه الجملة بالذات كانت مفتاح الإشكال كله من وجهة نظري؛ لأن ما اعتبرته الأم إنجازًا كبيرًا لم يكن في الحقيقة إلا خطأً تأسيسيًا ترتبت عليه مشكلات متأخرة.

الحجاب في التصور الإسلامي حكمٌ شرعيٌّ مرتبط بالتكليف، والتكليف في الشريعة مناط بالبلوغ وتمام العقل، لا بالطفولة والصبا؛ فإلزام طفلة لم تبلغ بعد بواجب لم يوجبْه الله سبحانه عليها (حتى لو كان ذلك عن رغبة منها) لا يُعد امتثالًا شرعيًا، بل نقلًا للتكليف من موضعه الزمني إلى مرحلة لا تملك فيها الطفلة أدوات التكليف النفسية ولا الوعي المقاصدي.

وهذا جانب بديع من جوانب التشريع الإسلامي حين ترك مرحلة الطفولة خالصة لوظيفتها الفطرية في النمو والتشكّل واللعب واللهو. فرفع القلم عن الأطفال ليس مجرد تخفيف، بل حماية عميقة لبنية الإنسان النفسية والعقلية، وهذا التقدير التشريعي ينسجم انسجامًا لافتًا مع ما توصّل إليه علم النفس الحديث حول احترام المراحل النمائية Developmental Stages وعدم تحميل الطفل أدوارًا ومسؤوليات أكبر من قدرته الإدراكية والوجدانية.

يضاف إلى ذلك أنه من الزاوية النفسية فإن تحميل الطفلة عبئًا إضافيًا في سن مبكرة يضعها تحت ما يُعرف في علم النفس التنموي بـ Early Psychological Burden، أي الحِمل النفسي المبكر، فالطفلة لا تفهم المعنى القيمي للحجاب خصوصًا في بيئة أوروبية ولكنها قد تعيش بسببه تجربة سلبية مبكرة، ومع تكرار التجربة يبدأ العقل اللاواعي Subconscious Mind في بناء روابط بين الحجاب وبين المشاعر السلبية، وبالتالي سترغب في التخلص من تلك المشاعر في وقت ما من خلال التخلص من الحجاب نفسه.

وهذا خطأ شائع يقع فيه كثير من الأمهات خصوصًا إن حاولت الطفلة تقليد أمها في سن مبكرة فتفرح الأم بذلك وتقول: لقد ارتدت الحجاب برغبتها، ولكن الحقيقة أنها ليست رغبة بل مجرد تقليد مرحلي، والتصرف الصحيح هنا هو احتضان هذا التقليد ولكن دون تثبيته كالتزام دائم، كأن ترتديه الطفلة مثلا في مناسبة معينة أو أوقات محددة، أو يُربط بإنجازات إيجابية، فيبقى الحجاب في وعيها الطفولي رمزًا مرغوبًا تنتظر لحظة ارتدائه، لا عبئًا ملازمًا لها قبل أن تكتمل أدوات فهمه.

إن محاولات المزايدة على الشرع بفرض التكاليف قبل أوانها، لا تُعد التزامًا بالدين، بل خروجًا عن حكمته ومقاصده، لأن الله سبحانه وهو أعلم بخلقه، قد ضبط ميزان التكليف بدقة، وأي إخلال بهذا الميزان يؤدي إلى خلل في النتائج.

قد يقول قائل: أليس المطلوب أن ندرب بناتنا على الحجاب ليستعدوا؟ كما ندرب الأبناء جميعا على الصلاة ؟ والجواب أن هناك خلط شائع بين التدريب والإلزام في تربية الأطفال

المصدر