آن الأوان لنتحدث عن قضية النقاب الذي تم تصديره من بعض الدعاة على أنه فرض وواجب قولًا واحدًا وهذا خطأ، ثم تطور الأمر لدرجة أن يقال أن من لا تغطي حواجبها فهي آثمة حتى وإن كان ذلك يسبب لها صداعًا وقد يؤدي لضرر صحي أعظم وهذه جريمة (كما في الكلام الذي في الصورة المرفقة)!
إن محاولات هؤلاء الدعاة في التخويف والترهيب بأن عدم ارتداء النقاب إثم عظيم قطعًا؛ هي محاولات غير أمينة ومخالفة لكلام جمهور أهل العلم منذ عصر الصحابة إلى يومنا هذا، ونفصل ذلك …
أولًا: قال الله – تعالى – آمرًا المؤمنات: (وليـضربن بخمرهن على جيوبهن) الخُمُر جمع خمار ولا يقصد به الخمار المشهور اليوم، وإنما الخمار في اللغة هو غطاء الرأس بأي شكل كان، و الجيوب: جمع جيب ولا يقصد به الجيب المعروف اليوم، إنما يقصد به فتحة الملابس من ناحية الصدر والرقبة، فأمر الله عز وجل النساء ألا يكتفين بتغطية الرأس بل يغطين أيضًا الفتحة التي في منطقة الصدر والرقبة التي تظهر من أعلى الملابس (الجيب).
ولو كان ستر الوجه واجبًا لصرحت به الآية، ولكن الآية لم تقل وليضربن بخمرهن على وجوههن بل قالت: جيوبهن. قال ابن حزم : (وهذا نص صريح على وجوب ستر الرقبة والصدر، وإباحة كشف الوجه).
ثانيا: قال الله سبحانه: (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهـر منها) وجمهور العلماء بل وقبلهم الصحابة على أن ما ظهر منها يقصد به موضع الكحل والخاتم (أي الوجه والكفين) وهو قول ابن عباس وغيره (راجع في ذلك كتاب الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي).
ثالثا: نصت المذاهب الفقهية المختلفة على جواز كشف الوجه والكفين؛ قال الإمام أبو حنيفة: ولا يجوز النظر إلا إلى الوجه والكفين ما لم يخف الشهوة (راجع في ذلك كتاب الاختيار)، وعن المالكية أن عورة المرأة مع الرجل الأجنبي عنها جميع البدن غير الوجه والكفين،فيجوز النظر لهما لا فرق بين ظاهرهما وباطنهما، بغير قصد لذة ولا وجدانها وإلا حرم (راجع في ذلك أقرب المسالك إلى مذهب مالك للدردير)، وهو أيضًا قول الشافعيّة (وانظر في ذلك المهذب للشيرازي).
وقال النووي معلقًا على حديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم نهى المحرمة عن لبس القفازين والنقاب، قال: ولو كان الوجه والكف عورة لما حرم الله سترهما، وذكر أن عورة المرأة جميع بدنها إلا الوجه والكفين، وبه قال مع الشافعي مالك وأبو حنيفة والأوزاعي وأبو ثور وطائفة، ورواية عن أحمد، وقال أبو حنيفة والثوري والمزني: قدماها أيضًا ليسا بعورة (انظر المجموع للإمام النووي).
رابعًا: من الأدلة العقلية أيضًا أن الله عز وجل أمر الرجال بغض البصر، فلو كان النقاب فريضة وكل الوجوه مستورة، ومن المتفق عليه بين الناس أن الوجه مجمع الحسن؛ فإن كان مستورًا فعن ماذا سيغضّ الرجال أبصارهم؟ وما معنى أن يكون الزواج أغض للبصر إذا كان البصر لا يرى شيئًا من النساء؟
خامسًا: يستدل أيضًا على جواز كشف الوجه بقول الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن)؛ فهذه الآية دليل على أن تغطية الوجه ليس بواجب فمن أين يعجبه صلى الله عليه وسلم حسنهن، إذا لم يكن هناك مجال لرؤية الوجه الذي هو مجمع الحسن؟
سادسًا: في الحديث الصحيح عن عمار بن ياسر رضي الله عنهما أن رجلاً مرت به امرأة فظل ينظر إليها وهو يمشي حتى اصطدم بحائط فسال منه الدم فأتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ووجهه يسيل دمًا. واعترف له بما حدث؛ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “إذا أراد الله بعبد خيرًا عجل عقوبة ذنبه في الدنيا … “،فدل هذا الموقف على أن النساء كن يكشفن الوجوه، بل كان منهن من تلفت بحسنها أنظار الرجال، إلى حد الاصطدام بالجدار، وسيلان الدم منه، ومع ذلك لم يأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بتغطية وجهها.
سابعًا: إن استدلّ بعضم بأن المرأة أثناء الإحرام يجب عليها كشف الوجه، فيقولون: لو لم تكن ساترة وجهها قبل الإحرام ما وجب عليها كشفه. قلنا: هذه مغالطة كبيرة؛ نعم من المحتمل أن بعض النساء كن يسترن وجوههن في غير حالة الإحرام، ولكن أين الدليل على أن هذا كان واجبًا؟ فإن محظورات الإحرام أشياء كانت في الأصل مباحة، مثل لبس المخيط والطيب والصيد، ونحوها، وليس منها شيء كان واجبًا ثم صار بالإحرام محظورًا، وكذلك ستر الوجه هو في أصله مباح ولكنه منع عند الإحرام، ولا يعتبر ذلك دليلا على وجوبه.
ثامناً: إن قال بعضهم: نحن نوجب النقاب لأن الزمان زمان فتنة وليس كعصا الصحابة، قلنا لهم إن أدلة الشريعة لها صفة الخلود فليست لعصر معين ثم يتوقف الاستدلال بها. ولو صح كلامكم لكانت الشريعة مؤقتة لا دائمة، ولصارت ألعوبة في يد كل من لا يعجبه حكم من الإحكام فيلغيه محتجًا بتغير الزمان.
تاسعًا: فإن قالت بعض النساء: نرتدي النقاب باختيارنا حتى وإن لم يكن فرضًا؛ قلنا لهن: ذلك هو الاختيار الشخصي الذي لا يمكن لأحد أن يعارضكن فيه، ولا إشكالية فيه على الإطلاق لكن الإشكالية تأتي حين تظن المنتقبة أنها تمسكت بدينها بينما غير المنتقبة قد فرطت في أوامر الشرع، وتسعى لفرض اختيارها على غيرها بزعم أنه واجب.
رزقنا الله وإياكم بركة العلم مع حسن الفهم
وماذا عن الرؤية الشرعية
إذا كان كشف المرأة لوجهها جائز فلماذا يجب على الرجل عند الزواج أن يذهب إلى بيتها لتكشف له وجهها في الرؤية الشرعية؟ …
وقد وجدتها فرصة لنتكلم عن مصطلح “الرؤية الشرعية” أو “النظرة الشرعية” الذي شاع استعماله في السنوات الأخيرة حتى صار وكأنه ركن من أركان الزواج …
والحقيقة أن هذا المصطلح لم تعرفه كتب الفقهاء الأوائل، ولا وجود له عند الأصوليين، وإنما نشأ وتوسع استعماله داخل البيئات التي تتبنّى القول بوجوب النقاب قولا واحدًا؛ إذ لما ضاق على الرجل معرفة شكل المرأة بسبب تغطية الوجه، احتاجوا إلى إيجاد صيغة تسمح له بالنظر في ظرف استثنائي، فسمّوها “الرؤية الشرعية”.
ثم صار المصطلح عرفًا في المجتمع حتى أصبح وكأنه أصل شرعي لازم، مع أن الشريعة لم تحدد ذلك؛ بل جعلت الأمر واسعًا على النحو الذي سأبينه …
فالأصل الذي بنى عليه الفقهاء الحكم بجواز النظر عند الرغبة في الزواج بل باستحبابه هو حديث الأنصاري الذي أراد الزواج فقال له النبي – صلى الله عليه وسلم – : (فاذهب فانظر إليها)، فالنبي – صلى الله عليه وسلم – أمره بالنظر، ولكنه لم يحدد له مكانًا ولا طريقةً ولا مجلسًا؛ فلم يقل له انظر إليها في بيتها، أو بحضور أهلها، أو في جلسة مخصوصة؛ ولو كان كل ذلك مهما ما سكت عنه النبي – صلى الله عليه وسلم – فهذا السكوت التشريعي دليل على أن المكان والطريقة ليس جزءًا من حكم النظر؛ وإلا لبيّنه النبي – صلى الله عليه وسلم – بيانًا لا لبس فيه.
وهذا ما جعل جمهور أهل العلم يرون جواز أن ينظر الرجل إلى المرأة وتنظر هي إليه دون إذن مسبق ما دامت النية هي الرغبة في الزواج، واستدلوا بما رواه الإمام أحمد عن جابر – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : (إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل). قال جابر: فخطبت جارية فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها فتزوجتها، وروى ابن ماجه عن محمد بن مسلمة – رضي الله عنه – قال: خطبت امرأة فجعلت أتخبأ حتى نظرت إليها في نخل لها، فقيل له: أتفعل هذا وأنت صاحب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: إذا ألقى الله – عز وجل – في قلب امرئ منكم خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها.
فجمهور أهل العلم على أن النظر سُنّة مستحبة، وأن الغاية منه إزالة الشك، وتحقيق الألفة، ورفع التردد، ومع ذلك لم يسمّ أحدٌ من الأئمة هذه السنة باسم “الرؤية الشرعية”، ولم يقيّدوها بكونها في البيت أو في مكان معين بل أجازوا النظر إليها في الطرقات والأسواق ولو كانت الرؤية محصورة في مجلس عائلي رسمي لما أجازوا ذلك.
فالمقصد الشرعي هو إعطاء القلب والعقل فرصة للتأمل والاطمئنان من الطرفين قبل الزواج، فإذا كانت الحكمة هي تحقيق الطمأنينة فالوسيلة متروكة بحسب أعراف الناس وتقاليدهم ما دامت مباحة، ولو كان الوسيلة مهمة لحددها الشرع، لكنه ترك الأمر واسعًا مراعاةً لاختلاف ظروف الناس وأعرافهم.
فالخلاصة أن موضوع “الرؤية الشرعية” هو عادة اجتماعية وليس حكمًا شرعيًا، وقد انتشر وتوسع على يد الذين شددوا على المرأة في قضية النقاب، حيث وجدوا أنفسهم في إشكالية؛ إذ كيف يراها من يريد الزواج بها وقد ألزموها بتغطية وجهها؟ فعندها ظهر مصطلح “الرؤية الشرعية” ليزورها في البيت فتكشف له عن وجهها كحل للموضوع، وليس كحكم شرعي.