التصنيفات
مقالات الضيوف

الحق في عدم إبداء رأيك!

المخ البشري لم يصمم كي يتقن الجودة والكثرة معًا

موعد حلاقتي الشهرية هو موعدي مع الدوري المصري، كوني من الطبيعي لن أشاهد أحد مباريات الدوري المصري بشكل طبيعي إلا لو قام أحدهم بتقييدي في مقعد حولي مريلة مربوطة حول رقبتي بإحكام وفي يده آلات حادة كالموس والمقص.

بين الشوطين كان الاستوديو التحليلي وعبارة شدت انتباهي كانت تقول: “نتمنى نشوف في الشوط التاني فرص أكتر من كدة”.

وأنا أيضًا يا عمي والله، أتمنى لو كانت وظيفتي هي أن أظهر على التلفاز لأقول: “نتمنى نشوف في الشوط التاني فرص أكتر من كدة”، وآخذ مرتبي على ذلك وأذهب للبيت لأنام.

لكن معلق المباراة قام بإبهاري، حيث أنه، وبعد بداية الشوط الثاني، تغلب على المحلل الرياضي بكلمة أشد إبهارًا، حيث كانت نتيجة المباراة واحد صفر للزمالك أمام سيراميكا كليوباترا، فقال المعلق بحماس من يخبرك بأشياء لم يكن بإمكانك أبدًا أن تعلمها: “المساحات مفتوحة، يا ترى مين هيستغلها؟ يا إما هنشوف اتنين صفر للزمالك أو واحد واحد زمالك وسيراميكا كليوباترا”.

لكن بعدما فكرت في الأمر قليلًا وجدتُ أني أشفق على الرجل، أنا أيضًا لو كان معي ميكروفون 90 دقيقة، مطالب ألا أسكت ثانية في منتصفها، أن يكون لدي دائمًا شيء ما لأقوله حتى لو لم يكن هناك شيء ما في محيط الوجود أمامي، سأضطر غالبًا إلى ذكر أشياء عبقرية كهذه.

سمعت مرة أستاذًا جامعيًا ذكيًا كان يتحدث بشكل جيد. وسمعته مرة أخرى بعدها بشهور وجدته يهرتل تمامًا. وتعجبت ولكن فهمت الفرق بين الأمرين، في الأولى كان يظهر على التلفاز قليلًا، في المرة الثانية هو هو ذات الشخص بعدما صار له برنامجًا يوميًا.

المخ البشري لم يصمم كي يتقن الجودة والكثرة معًا.

أن تتكلم كثيرًا يعني أن تتكلم بكلام أقل أهمية بالتبعية.

هذه ليست قاعدة جدعنة مني كدة، هذه طريقة فسيولوجية يعمل بها المخ البشري في الحقيقة.

يستهلك الدماغ 20% من طاقة الجسم بينما حجمه 2% فقط. لماذا؟ وأين تُنفق هذه الموارد المكلفة؟

تُصرف على العمليات المعرفية العليا، مثل: الابتكار اللغوي، الاستعارات، الربط بين الأفكار، التخطيط، التحليل، الإبداع [1].

هذه العمليات مكلفة جدًا عصبيًا، ولا يمكن تكرارها بشكل كثيف دون أن ينخفض مستواها.

في دراسة لـ Dean Keith Simonton وجد أن المبدعين الكبار مثل نيوتن وموتزارت والذين أنتجوا كميات كبيرة، كان القليل منها فقط هو التحف الخالدة مقارنة بالإجمالي. [2] كتب سيمونتون كتابة The genius Checklist لفهم هذه الظاهرة: الكثرة والجودة لا يجتمعان كقاعدة عامة لدى البشر.

سنة 49 وضع Donald Olding Hebb أحد أهم الأطر النظرية لفهم آلية التعلم العصبي [3] عٌرِف بقانون هيب Hebb’s Rule، وهي أن الخلايا العصبية التي تطلق سويًا ترتبط سويًا، يساعد ذلك الدماغ البشري على التعلم عن طريق التكرار، ولكن نمطية الترابط العصبي تقلل من الابتكار والإبداع. يُرهَق المخ البشري إبداعيًا كلما تكررت نمطية المسارات العصبية المصاحبة لكثرة الإنتاج.

وتحدث Daniel Kahneman الحاصل على نوبل في 2002 عن نمطين مختلفين في العقل: النظام الأول سريع تلقائي كمي، الثاني بطيء مجهد نوعي [4].

الدماغ البشري محدود في قدرته على معالجة المعلومات بدقة في وقت واحد، يعرف هذا بعنق الزجاجة الإدراكي Cognitive Bottleneck، وهو نقطة اختناق في النظام المعرفي تحدث عندما تتجاوز كمية المعلومات المتاحة القدرة المحدودة للدماغ على معالجتها في نفس اللحظة، مما يؤدي إلى تأخر أو إبطاء الأداء [5].

بالتالي إذا أردت الكثير من الأداء وبسرعة، فالدماغ تلقائيًا ينتقل إلى النظام الأول، سريع تلقائي كمي.. ولكنه (مكروت)، نمطي، غير دقيق.

كان وهب بن المنبه يقول: “كثرة الكلام تذهب بالوقار”، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: “من كثر كلامه كثر سقطه”، وقال بلزاك: “الكلام الكثير علامة على فقر الفكر”، وكتب باسكال إلى صديق له: “لو كان لدي وقت أطول، لكتبت إليك رسالة أقصر”!

ليست المشكلة في من يستفرك ليخرج منك أسوأ ما فيك، المشكلة في من يستفزك ليخرج أسوأ ما فيك وأفضل ما فيك وكل ما فيك!

تستفزنا السوشيال ميديا لتخرج كل ما فينا من أفكار ومشاعر وأخبار بكثافة لم تعهدها البشرية من قبل. أحيانًا نجد أنفسنا نقول: “يا إما هنشوف اتنين صفر للزمالك أو واحد واحد زمالك وسيراميكا كليوباترا”.

وكما قال لودفيغ فيتغنشتاين: “ما لا يمكن التعبير عنه بالكلمات، يجب السكوت عنه”.

فتذكر دائمًا أن لك الحق في عدم إبداء رأيك!

المصدر


هو جمع من المصادر اللي بيخدم وجهة النظر دي بينما تجمع نفس المصادر معلومات مهمة أخرى مركزها التدريب والتكرار ومساحات إبداعية تمكنك عادي من تجاوز ده أحياناً حتى لو ما كانش القاعدة

من نفس المصدر رقم 3 هو ممكن يرجع للـNeuroplasticity ودي غير نمطية هيبيان اللي بيتكلم عنها، اللي أصلاً هيبيان في نفس المصدر المُلحق اتكلم عنها كذلك، من غير المصطلحات الملحقة بيها عشان مجعلصة شوية، لكن دي بالذات هي ما تعطي للمخ البشري قدرته على إنه يكون شيء مميز قادر على الإبهار غير محدود بتصور جامد فيه هذه النمطية، نمطية المعلق المصري ممكن تُدحض بمعلقين صنعوا تاريخ مراراً وتكراراً وهم غارقون في 90 لـ120 دقيقة من التكرار أو الإثارة، كلٌ بأسلوبه عادي جداً، تدريب، تكرار واستمرار، ثلاثية نجاح أي يوتيوبر عايز يفضل يصنع محتوى بحد أدنى مُعتبر من الجودة، غير متعارض مع الوقت اللي بيتطلبه ده من تحضير واستهلاك معرفي وذهني وبدني كذلك.

وكذلك لا توجد علاقة عكسية بين الكثرة والجودة، ده إحنا هنهدم أساسيات كده عشان محدش بيراجع ورانا، لأ هو ليهم تكلفة بتدفعها من وقتك وبالتالي من حياتك وبالتالي هؤلاء الأشخاص اللي بيحاولوا يجمعوا بين الاتنين أو يقدموا هذه الثنائية بنجاح فعلاً فاقدين للتوازن في نواحي أخرى، الحياة الاجتماعية بتاخد أول قلم وده منطقي، أي كلام في المطلق مجدداً سهل دحضه دون أي فزلكة.

وأنا متأكد إن لو أي حد كمل على البوست بهذا النمط هيتفكك لأجزاء عادية جداً مافيهاش أي ثوابت، وبوجود مصادر تكون هناك مصادر أخرى لدحض ما في هذه المصادر وتفتح نقاش معتبر مش مجرد عركة بس يعني.

والإنسان عادي ما يحسش بضغط إنه لازم يتكلم كلام مهم جداً تستفيد منه البشرية أي حاجة يعني والله يا جماعة، ليش مكبرين الموضوع 

تعليق احمد البنا