التصنيفات
المدونة

الجرأة على احتكار رحمة الله

امال احنا نطيع ربنا ليه بقا ؟

هذا التعليق وصلني على قصة كتبتها بالأمس أن أحد الصالحين مرّ على قوم يشربون الخمر ويتضاحكون، فقال له أحد طلابه: ادعُ عليهم يا شيخنا؛ فرفع يديه وقال: “اللهم كما فرحوا بالمعصية في الدنيا فارزقهم الفرح بمغفرتك في الآخرة.”

والحقيقة أن هذا التعليق يكشف مشكلة أعمق بكثير، وهي أثر الخطاب الديني غير المتزن الذي يجعل بعض الناس يتحولون إلى قضاة يحكمون على الناس، ويقسمون رحمة الله سبحانه على هواهم، ويظنون بأنفسهم الصلاح بل ربما ظنوا أن بيدهم مفاتيح الجنة والنار.

وما أسوأ هذا الفهم وأخطره على الدين …

فالرجل الصالح معروف الكرخي حين دعا لهؤلاء لم يكن يبرر شرب الخمر، ولم يقل إن المعصية شيء حسن، بل دعا لهم بأعظم ما يمكن أن يُدعى به للعاصي: أن يفتح الله له باب التوبة والمغفرة.

والقرآن نفسه يقرر بوضوح أن باب التوبة مفتوح حتى لأصحاب الذنوب العظيمة، بل ويقرر ما هو أعجب من ذلك، حين يقول الله تعالى: (إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ)؛ تأمل كلمة “يبدل” ليس فقط يغفر، بل يبدل السيئات نفسها إلى حسنات.

فهل أصبح هذا المعنى القرآني عند بعض الناس عبطًا؟! ما هذا الجهل والتطاول على ما شرعه رب العالمين لعباده !

الأخطر من ذلك أن هؤلاء يعتقدون في أنفسهم الصلاح المطلق ويرون العصاة خارج دائرة الرحمة، ويطلق عليهم أقسى الأحكام؛ وهذا بالضبط ما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح؛ حين قال رجلٌ: (والله لا يغفر الله لفلان). فغضب رب العالمين: “من ذا الذي يتألى عليّ ألا أغفر لفلان؟ أكان له خالقًا؟ أم كان على ما في يدي قادرًا؟ فقد غفرت له وأحبطت عملك”

إن الجرأة على احتكار رحمة الله مصيبة عظيمة، حتى أن بعض الناس لا يهمه إن كان هو نفسه سيدخل الجنة أم النار بقدر ما يهمه أن يثبت أن غيره سيدخل النار؛ وصدق ربنا سبحانه حين قال في وصف طبيعة بعض البشر: (قُل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذًا لأمسكتم خشية الإنفاق) أي أن بعض الناس لو كانت الرحمة بيده لبخل بها على الخلق.

ولذلك فإن من النعم العظيمة التي ننسى أن نحمد الله سبحانه عليها أنه لم يجعل حسابنا يوم القيامة بيد أحد من خلقه، بل جعل حسابنا بيده سبحانه وهو أرحم بنا من كل أحد.

المصدر