التصنيفات
المدونة

التقدير

أهم احتياج نفسي على الإطلاق

أكثر ما يؤلم فى وفاة الملحن الشاب (م. ر.)، هو إنه عبر من عدة شهور عن شعوره إنه مش متقدر، ومش واخد حقه من العرفان، ومش حاسس بالاهتمام الكافى بأعماله.. لدرجة إنه قرر يعتزل.. ثم تراجع عن قرار اعتزاله لاحقاً..

اتكلمت سابقاً، ولن أملّ من التكرار، عن احتياج نفسي أساسي ومهم جدا جدا، اسمه الاحتياج لل(شَوَفَان).. يعنى تحس انك متشاف من اللى حواليك.. متقدر.. وجودك فارق.. وجودك ليه قيمة.. بيسموه أحياناً Need to be acknowledged.. الاحتياج للتقدير.. وبيسموه كمان Mirroring Need.. الاحتياج لناس يكونوا زى المراية اللى بتورينى محاسنى وتثنى عليها بيها.

الاحتياج ده مش بس مهم.. لأ.. هو أهم احتياج نفسي على الإطلاق.. وهو أول احتياج نفسي بنحتاجه فى حياتنا منذ الطفولة.. وبيستمر معانا حتى آخر لحظة فى عمرنا. الطفل الصغير بيحتاج إن أمه وأبوه يوصلوله إنهم شايفينه ومقدرينه وان وجوده بالنسبة لهم مهم وفارق، وبيعمل حاجات كتير علشان يشبع الاحتياج ده، من أول إنه يقولهم: بصوا عليا، شوفوا أنا عملت إيه، شوفوا أنا لابسة إيه.. لغاية إنه يصرخ ويكسر ويخبط حواليهم.. والإنسان الكبير بينتظر من اللى حواليه، أهله، زملاء عمله، أصحابه، انهم برضه شايفينه، ومقدرينه، ووجوده عامل فرق ليهم.

كلمة برافو.. كلمة شكراً.. نظرة امتنان.. ضحكة تقدير.. لمسة عرفان..

كل دى طرق ووسائل بسيطة جدا لما توصلنا تحسسنا إننا متشافين.. ومتقدرين.. وان لينا لازمة..

نظرة رضا من عين الأم.. طبطبة على الكتف من الأب.. حضن من الصديق والصاحب.. ثناء من الزملاء.. شكر من الأحباب.. الأزواج.. الأبناء.. تجعلنا نشعر بوجودنا، وبقيمتنا، وبأننا نستحق..

ويااااه على كلمة (أنا فخور بيك).. دى ممكن تطلع بينا فوق السحاب..

اشباع هذا الاحتياج هو الأصل فى تكوين ما يسمى بالثقة بالنفس.. والمحور فيما نطلق عليه الشعور بالاستحقاق.. والمحرك الأساسي للوقود النفسي.

والحرمان من اشباعه يؤدى لمزيج هائل من الأعراض والأمراض النفسية (وأيضاً الجسدية).. من أول الاكتئاب والتوتر.. وحتى النرجسية (شعور مبالغ فيه بالاستحقاق- لأنه اتحرم منه فى الأصل)..

الاحتياجات النفسية زي الاحتياجات الجسمانية بالظبط.. زى الجوع والعطش.. اشباعها بيحفز على الحياة.. وفقدانها بيسحب نحو الموت (النفسي والجسدى)..

دى أحد أهم فوايد وجود ناس حوالينا.. وإلا كل واحد هايعيش فى جزيرة منعزلة ويريح نفسه..

أقول لكم ملاحظة مؤلمة.. وفعلاً مستغرب لها.. ومش فاهمها.. ولا عارف سببها..

فى الوقت الحالى.. كلمة (شكراً) بقت عزيزة أوى.. تعمل حاجات وتقدم خدمات وتنحر نفسك من أجل الآخرين.. وتفاجئ انه حتى مافيش (شكراً).. وكأنك ماعملتش حاجة.. أو كأن اللى عملته ده كان حقهم وأخدوه منك..

تدى من وقتك وجهدك وتفكيرك ومشاعرك.. ومش بس تلاقى اللى قدامك مش مقدرينك.. لا.. دول ممكن يقابلوا عطاءك بالاستنكار.. وفضلك ومعروفك بالصمت الغريب..

تيجي على نفسك مرة واتنين وعشرة.. وتضع غيرك فى مقام قبل نفسك.. وتعمل ده عن إخلاص وحب وإيثار فعلاً.. وتاخد درس بعدها يعنى إيه حد ياخد علاقتك بيه وتركيزك معاه وليه، كأمر مفروغ منه taken for granted..

كلمة (شكراً) قد تنقذ حياة.. من فضلكم قولوها لبعض..

جمل زى (كتر خيرك).. (أنا ممتن ليك).. (أنا مقدر اللى بتعمله) قد تحمى من أعراض وأمراض.. ماتبخلوش بيها على من يستحقها..

نظرة امتنان.. بسمة عرفان..

أى تقدير.. أى شَوَفَان..

أى حاجة..

مش لازم نستنى لما نفقد حد.. أو يموت حد.. أو يمرض حد..

حد بعتلى الكلمات دى من أغنية لأمير عيد:

” نفسي اتشاف يا اسمك ايه، واتأكد اني موجود .. عايز مشاعر، حتى لو مش حقيقية “.

المصدر