الشهرة والسمعة الطيبة تشبه المال من حيث كونها وسيلة لغاية.
لكن من السمات الغريبة للبشر الانغماس في مطاردة الوسائل إلى أن تتحول إلى غايات، فتكون النتيجة تفريغ الأشياء من معانيها وانقلاب النفع المحتمل إلى ضرر محقق.
من المهم أن يدخر الإنسان لأن بعض الأهداف لا تتحقق إلا بذلك. أنت مثلاً تريد شراء سيارة تسهل عليك حياتك، ولا تملك ثمنها الآن، فتدخر جزء من مالك لتحقيق هذه الغاية. بهذا يكون الادخار حكمة لا حرمانًا ويكون الإنفاق مكسبًا لا خسارة، وتكون قد انتفعت بمالك.
الآن تخيل إنسانًا يدخر المال ولا ينفقه أبدًا. يحرم نفسه مما يحتاجه الآن بلا غرض غير التكديس. هذا الإنسان أحمق. حياته حرمان وماله ضائع للورثة. هذه هي مأساة البخيل.
لكن ما الذي جر البخيل إلى ذلك؟ الخوف. الخوف من المستقبل والظن بأن هذا المال سيحميه. يمكن أن نتفهم الخوف ورغبة الإنسان في تجنب الألم، لكن المشكلة أن هذا الخوف لا ينتهي. إذا تمكن الشح من قلب الإنسان فهذا الخوف من المستقبل لا تزيله أكوام الذهب (فهل لك غاية إن صرت يومًا ** إليها قلت: حسبي قد كفيت؟) أبدًا. “لو أن لابن آدم واديًا من ذهب أحب أن يكون له واديان”. ولهذا فالإنسان العاقل يسعى لتحرير نفسه من هذا الخوف.
وكذلك الشهرة رأس مال اجتماعي. وإذا امرؤ أهدى إليك صنيعة ** من جاهه فكأنها من ماله.
طبعًا. لأن الجاه مكتسب. بل كثيرًا ما يكون الجاه أنفع من المال، ولذلك جاء في المثل: الصيت ولا الغنى.
يسعى الإنسان للشهرة للحماية ولكي يكون صاحب وجاهة تجعل الآخرين ينصتون إليه.
من المشاهد التي لفتت انتباهي في مسلسل “ساكسيشن”، لما طُلب من رافا أن تلقي كلمة في المؤتمر الصحافي لشركة أبيها بعد اتهام الشركة بالتورط في ممارسات مسيئة للسيدات. حاولت رافا التملص خوفًا من تلويث سمعتها، فردت عليها الشخصية التي كانت تحاول إقناعها وقالت: هناك وقت لجمع رأس المال، وهناك وقت لإنفاقه.
وتعني برأس المال السمعة الطيبة التي حققتها هذه الإنسانة، وتعني بإنفاقها استخدامها وقت الحاجة (الحاجة هنا: الدفاع عن سمعة العائلة).
الآن تخيل هذا اللاعب أو المشهور الذي جمع الملايين من المتابعين، ثم اكتفى بنشر يومياته في الجيم أو الوجبات التي تناولها على الغداء أو صور رحلاته في المالديف. ما الفائدة من جمع كل هؤلاء الناس حولك؟
قد يقول قائل: هذا المشهور لا يريد إغضاب أحد. نعم. لكن هذا سوء استغلال لموارد شديدة الندرة والقيمة. تخيل إنسانًا ثريًا، لكنه يعيش جائعًا ولا ينفق ماله خوفًا من تبديده فيجوع في المستقبل. يا أخي أنت الآن جائع!! هذا هو وقت إنفاق المال. إن لم تنفقه الآن فلن تنفقه أبدًا.
تمنحنا الشهرة سلطة ووصولاً واسعًا لأطياف من البشر، وهي ميزة لا تتاح لمليارات البشر الذين قد يعيش الواحد منهم ويموت ولا يجد من يسمعه ولو مرة. لكنها تمنحنا ما هو أثمن من ذلك: تمنحنا الحرية التي يمنحنا إياها المال.
الحرية واضحة في جانب المال لكنها ليست كذلك في جانب الشهرة، وهي حرية أن نكون على طبيعتنا. أن نعبر عن ذواتنا كما نريد. فإذا تحول المشهور إلى ساكت خوفًا من أن يغضب المتابعين إذا عبر عما في نفسه، فهو لا يختلف عمن يخشى إنفاق المال لأن الإنفاق سينقص ماله. هذا الإنسان صار عبدًا لما كان من المفترض أن يستخدم لتحريره، وليس الغنى إلا عن الشيء لا به.
يعني الغنى عدم المبالاة بخسارة بعض النقود في مقابل أن يفعل الإنسان ما يريد، وكذلك الشهرة من المفترض أن تعني عدم المبالاة بخسارة بعض المتابعين في مقابل أن يكون المشهور حرًا في أن يقول ما يريد.
لاحظ أنني لا أتكلم عن استغلال الشهرة بمعنى استخدامها في نصرة الخير والحق والجمال. لا. بل أتكلم عن استخدامها في الحديث كما تحب لمن يهتمون بسماعك.
حكى لي أحدهم أنه قيل لتشومسكي: كيف تقول هذه الأمور التي لا يجرؤ عليها غيرك فيما يخص الدولة الملع< ونة إياها ولا يحصل لك شيء، فقال (والعهدة على من أخبرني بهذه الحكاية): قبل أن أتكلم في الشأن العام كنت قد أصبحت تشومسكي الذي لا يمكن تجاهله.
هذا هو: أن تكون مشهورًا بحيث تكون حرًا في أن تقول ما تؤمن به وتعلم أنه لم يعد من الممكن تجاهلك.
هذا المشهور الذي يتجنب كل حديث ذي معنى خوفًا من إغضاب أي شخص وفقدان أي متابع يستحق الشفقة والرثاء. إنسان حيزت له نعمة نادرة فبددها بخوفه. قصة تراجيدية تشبه قصة الشحاذ الذي يكتشف الناس بعد موته أنه كان مليونيرًا.