أخطر مرض نفسي انتشر في جيلنا مش الاكتئاب ولا القلق… أخطر مرض هو وباء خفي اسمه “الاستحقاقية”.
الاستحقاقية هي الإحساس الداخلي العميق بإنك تستحق كل حاجة حلوة في الدنيا، من غير ما تقدم مقابلها مجهود حقيقي. إنك تستحق التقدير، الحب، النجاح، الفلوس، المعاملة الخاصة… لمجرد إنك موجود. كأن العالم كله مدين لك باعتذار، والناس كلها المفروض تفهمك من غير ما تتكلم، والفرص المفروض تجيلك لحد عندك من غير ما تسعى.
الوباء ده ملوش أعراض جسدية، لكن أعراضه بتظهر في كل تفصيلة في حياتنا. بتشوفه في الشاب اللي بيشتكي من قلة الفلوس وهو بيقضي يومه كله نوم وسكرول. بتشوفه في البنت اللي عايزة تتجوز “حد يستاهلها” ومواصفاتها كلها شكلية، وهي نفسها بتقدم لشريكها “شخصية أونلاين” مش حقيقية. بتشوفه في الموظف اللي عايز يترقى وهو بيعمل أقل مجهود ممكن. بتشوفه في الصديق اللي بيزعل لو مسألتش عليه، وهو عمره ما بادر بالسؤال.
السوشيال ميديا هي الحاضنة المثالية للوباء ده. هي اللي صنعت وهم “الحياة المثالية” اللي بتشوفها في 15 ثانية. هي اللي خلت كل واحد يحس إنه “بطل القصة”، وإن حياته لازم تبقى فيلم سينمائي مليان لحظات استثنائية. هي اللي غذّت جوانا إحساس “أنا استاهل” من غير ما تعلمنا يعني إيه “أنا أسعى”.
بقينا بنشوف قصص نجاح سريعة، ناس بتغتني من فيديوهات تافهة، ناس بتتشهر من غير أي موهبة حقيقية. فبقى عندنا إحساس لاواعي إن النجاح ده سهل، وإننا كمان نستحقه. ولما بنبص لحياتنا العادية، اللي فيها تعب وملل ومسؤوليات، بنحس بالظلم. بنحس إن فيه حاجة غلط. إن العالم ده مش عادل معانا.
الاستحقاقية هي الوجه الآخر لطفل مدلل جوا كل واحد فينا. طفل بيصرخ وعايز كل حاجة دلوقتي حالاً. طفل مش فاهم يعني إيه صبر، يعني إيه تعب، يعني إيه إن “لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ”. ربنا في القرآن محطش شرط للجزاء غير السعي. مش النية، مش الحلم، مش الإحساس بالاستحقاق… السعي.
الشخص المستحق هو شخص عايش في حالة “استقبال” دائمة. مستني الناس تديله، الحياة تديله، الظروف تخدمه. وعشان كده هو أكتر شخص بيحس بالخذلان، بالإحباط، بالغضب. لأنه بنى توقعات ضخمة على أساس هش. أساسه “أنا عايز” مش “أنا هعمل”.
في المقابل، الشخص السوي هو اللي عايش في حالة “عطاء” و “سعي”. بيقدم اللي عليه الأول، وبعدين يطلب حقه. بيزرع الأول، وبعدين يستنى الحصاد. بيبني العلاقة الأول، وبعدين ينتظر التقدير. فاهم إن الدنيا مش بتدي حاجة مجاناً. فاهم إن “وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ”.
الاستحقاقية بتخليك أعمى عن نعم ربنا اللي في إيدك. بتخليك دايماً باصص للي ناقصك، للي عند غيرك، للي “المفروض” كان يبقى عندك. بتسرق منك لذة الامتنان، لذة الرضا، لذة الإحساس ببركة الموجود. بتخليك عايش في جحيم المقارنة الدائمة.
عشان كده، الحل مش إنك تطالب بحقك بصوت أعلى. الحل إنك تسأل نفسك الأول: “أنا قدمت إيه؟”.
قبل ما تشتكي إن محدش بيحبك، اسأل نفسك: “أنا كنت مصدر حب لمين؟”. قبل ما تشتكي إن محدش بيقدرك، اسأل نفسك: “أنا قدرت مجهود مين؟”. قبل ما تشتكي من قلة الفرص، اسأل نفسك: “أنا طورت من نفسي إزاي؟”.
اقتل الإحساس بالاستحقاق اللي جواك قبل ما يقتلك. استبدله بالإحساس بالمسؤولية. استبدله بالامتنان. استبدله بالسعي. لأن في النهاية، ربنا مش هيحاسبك على اللي كنت “تستحقه” في خيالك… هيحاسبك على اللي “سعيته” في واقعك.
فمتستناش حاجة من حد. ابدأ بنفسك. روّض الطفل المدلل اللي جواك. علّمه إن الحياة مش حفلة، وإن التقدير بيتكتسب مابيتشحتش.
لأن الفلاح الحقيقي مش للي بيحس إنه يستاهل… الفلاح للي بيقوم ويسعى عشان يستاهل.