فيه اعتقاد سطحي عند كتير من الناس (لاسيما المتدينين) بخصوص الحكم على رواة الأحاديث، ازاي كان العلماء بيحكموا على هؤلاء الرواة بالتوثيق أو التضعيف، والبوست ده مجرد اختصار مخلّ جدا ميصلحش شرح بالمرة، لكني أرجو بيه إنه يثير فضول بعض الناس فينشطوا للبحث أكتر في المسألة دي.
فيه ٥ شروط مشهور إنهم كانوا بيحكموا بيها على الرواة، وهي إنه الراوي يكون مسلم بالغ عاقل سالما من أسباب الفسق ومن خوارم المروءة، والشروط دي جميلة لكنها مجرد وش القفص، مجرد تأهيل مبدئي كدة لا يمثل ١٪ من المجهود اللي عمله علماء الجرح والتعديل (أو التضعيف والتوثيق)، مينفعش يكون الموضوع بالسطحية بتاعة إننا بنشوف واحد بيصلي وسمته حسن فنصدقه وبس كدة، أكيد لازم نتحقق من أمور أكتر قبل ما ناخد منه حديث للنبي صلى الله عليه وسلم ونقوم عليه أحكام الدين.
العلم ده مش غرضه يبحث في أمور واضحة زي إننا أكيد لو واحد سكران جه يقولنا إنه سمع حديث للنبي صلى الله عليه وسلم مش هناخده منه ولا هنثق فيه، ده شيء بديهي.
إنما العلم ده غرضه الأساسي والرئيسي هو التعامل مع العوارض البشرية الطبيعية، الراجل الجميل اللطيف اللي بيصلي ومعروف بالصلاح ده، ما هو ساعات بينسى، وساعات بيتلخبط، وساعات بيتوهم، وساعات بيسمع غلط، وساعات بتدخل قلبه أغراض دنيوية، ويمكن أصلا يكون ظاهره الصلاح بس يكون بيكذب أحيانا، وممكن يكون كذاب شاطر بيعرف يخبي كذبته ويظهر في الناس بمظهر الشخص الصالح، فالعلم نشأ للتعامل مع هذه العوارض ومحاولة إيجاد وسيلة علشان تنقي عملية نقل حديث سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم من هذه العوارض.
هنا هقول فقرة اعتراضية قبل ما أكمل، بيحلو لبعض الملتزمين لما يتكلموا عن علم الحديث يذكروا الحادثة الشهيرة بتاعة الإمام البخاري لما قلبوا له الأسانيد والمتون وهو حفظ الغلط والصح واستحضرهم في نفس المجلس، والقصة دي فعلا بتبرز عبقرية وموهبة الإمام البخاري في الحفظ، لكن مهم واحنا بنذكر مثل هذه القصص إننا نقول إنها قصص فردية عجيبة غير متكررة، العلم متبناش على هذه المواهب فقط لكنه مبني للبشر العاديين اللي بيحفظوا وينسوا، مشكلة القصص دي لما تتقال لوحدها إنها بتوهم السامع إن العلم اتبنى على كتاف الناس الخارقة للطبيعة وبس كدة، ويبقى العلم كله كأنه مسنود على القصة الخارقة دي بحيث لو خبطنا في الإمام البخاري يبقى خبطنا علم الحديث كله، والحقيقة مش كدة بالمرة، الحقيقة إن مفيش أصلا شخصية في هذا الباب لو اختفت فالعلم هينهار، يعني لو تخيلنا الإمام البخاري كان مجرد شخصية خيالية غير موجودة في التاريخ، فعادي جدا، لا البناء الإسلامي هينهار ولا علم الحديث هيبوظ ولا أي حاجة هتحصل، مذهب الإمام أبو حنيفة ومذهب الإمام مالك موجودين ومستقرين من قبل ولادة الإمام البخاري ب٥٠ سنة، والتحقق من الأحاديث موجود من قبل ما يتولد الإمام البخاري ب٢٠٠ سنة، ده طبعا مش تقليل من أهمية ما فعله الإمام البخاري لكن إسهاماته رحمه الله تظل إسهامات عالم سبقه عشرات العلماء، والشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته.
نرجع مرجوعنا، ازاي العلماء وضعوا آلية للتحقق من إن عملية نقل الأحاديث ميدخلهاش العوارض البشرية؟ ازاي نخلي تأثير العوارض دي معدوم أو أقل ما يمكن؟
من ضمن الأمور المدهشة اللي عملوها، هو مقارنة الرواة ومروياتهم ببعضها علشان يعملوا ترتيب هيكلي بحسب تكرر احتماليات الأخطاء، خلينا نضرب مثال، ولتسهيل المثال هنتخيل إن كان فيه:
* شيخ اسمه (محفوظ) عنده ١٠ طلاب كلهم اسمهم (أحمد).. هنسميهم (أحمد١، أحمد٢، أحمد٣، …، أحمد١٠)
* وشيخ اسمه (محروس) عنده ١٠ طلاب اسمهم (محمود)
* وشيخ تالت اسمه (ماجد) عنده ١٠ طلاب اسمهم (عبد الله)
(ممكن تشوفوا التعليق الأول حطيت فيه رسمة توضيحية لتصور المثال)
ونتخيل إننا في سنة ١٠٠ هجرية مثلا.. وسمعنا حد بيقول إنه سمع حديث عن سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم، وعايزين نتحقق من لفظ الحديث وصحة النقل، فلو عرفنا نتحقق من ذلك هنسميها عملية نقل صحيحة أو اختصارا (حديث صحيح)، ولو معرفناش نتحقق هنسميها عملية نقل ضعيفة أو اختصارا (حديث ضعيف).
فاحنا لقينا اللي بيدّعي إنه سمع الحديث ده اسمه أحمد، أحد طلبة الشيخ محفوظ، فسألناه، أنت جبت منين الحديث ده؟ يقولنا اتعلمته من الشيخ محفوظ، فنقوله مين سمعه منه غيرك؟ يقولنا أحمد١ وأحمد٢ وأحمد٣، فنروحلهم، نقولهم قولولنا الحديث اللي سمعتوه بالحرف.
هنا هنتخيل إن أحمد١ وأحمد٢ وأحمد٣ لغاية أحمد١٠ كلهم قالوا الحديث بنفس اللفظ بالظبط بدون اختلاف، هنبدأ نميل أكتر ناحية إنهم متلخبطوش.
طيب لو لاقينا ٨ بيقولوه بلفظ معين لكن أحمد٩ وأحمد١٠ قالوه بلفظ مختلف، كل واحد فيهم قال نفس الحديث بس بكلمة متغيرة أو تشكيلها متغير، ساعتها هنميل ناحية إن ال٨ كانوا حافظين كويس وإن آخر ٢ هم اللي مش حافظين أوي أو سمعوا غلط.
وتعالوا نتخيل إننا هنعمل نظام تقييم بالنقاط، ففي الحالة دي، هندّي لكل واحد في ال٨ اللي قالوا زي بعض نقطة (+١)، وندّي للاتنين الآخرانيين سالب (-١).
طيب، بينما نحن كذلك، سمعنا نفس الحديث بنفس اللفظ من واحد من اللي اسمهم (محمود)، اللي بدوره كان اتعلمه من الشيخ (محروس)، وقلناله أنت سمعت الحديث ده من الشيخ مين؟ قال الشيخ محروس.. قلناله مين سمعه معاك ساعتها؟ فقال مع محمود١ ومحمود٢ ومحمود٣ إلخ.. جبناهم وقلنالهم قولوا الحديث زي ما سمعتوه.. فمثلا ٧ قالوه زي بعض، واللي هو نفس اللفظ اللي كان الطلبة اللي اسمهم (أحمد) قالوه، و٣ قالوه بشكل مختلف، فبردو هندّي لكل واحد من ال٧ دول (+١) وندي لكل واحد من ال٣ دول (-١).
وبعدين حصلت حاجة تانية عجيبة، سمعنا نفس الحديث من واحد اسمه (عبد الله) قلناله سمعت من مين؟ قال من الشيخ (ماجد)، ومين كان بيسمع معاك؟ قال عبد الله١ وعبد الله٢ الخ، جبناهم قلنالهم قولوا الحديث، ففيه ٨ منهم قالوا بلفظ زي بعض، ولكنننننننن، لاقينا اللفظ اللي هم متفقين عليه ده مختلف شوية عن اللفظ اللي كان الطلبة اللي اسمهم (أحمد) و(محمود) بيقولوه!! ففهمنا ايه؟
فهمنا إن ال٨ اللي اسمهم عبد الله دول حفظوا كويس، لكن يبدو إن الشيخ بتاعهم هو اللي علمهم الحديث بلفظ مختلف، فبقينا محتاجين نشوف مين من المشايخ أصلا كان معلم تلامذته لفظ صح ومين لأ.
فجبنا الشيخ محفوظ، والشيخ محروس، والشيخ ماجد، وقلنالهم انتوا سمعتوا الحديث ده منين؟ فيقولولنا سمعناه من الصحابي الفلاني، نقولهم طيب مين كان قاعد معاكم ساعتها؟ يقولونا الشيخ سيد، والشيخ عباس، والشيخ أسامة، نروحلهم نقولهم انتوا سمعتوا الحديث ده ازاي؟ فنلاقي ٥ منهم بيقولوه بلفظ معين، وواحد بس (اللي هو الشيخ ماجد) بيقوله بلفظ مختلف، فنعرف إن الشيخ ماجد هو اللي غلط في الرواية، وساعتها ندي لكل الناس دول (+١) وندي الشيخ ماجد (-١).
طبعا لو عايزين نعقد الموضوع، فممكن نروح ندور على الشيخ عباس نلاقيه مات أساسا، فنضطر نروح ندور على الطلبة بتوعه ونشوف أغلبهم بيقول الحديث بأنهي طريقة، وهكذا.
المهم احنا كل ده عملناه في حديث واحد بس، وده طبعا مش كافي للحكم العام على شخص، يمكن غلط المرة دي بس، ويمكن نسي المرة دي بس، ويمكن كان عيان يوم ما الحديث ده اتقاله فمسمعش كويس، يمكن مكنش بيكتب ساعتها فاختلط عليه، كلها عوارض بشرية ممكن تحصل تخلي الحكم العام مينفعش اكيد من حديث واحد.
فماذا لو عملنا نفس العملية دي على ٥٠٠٠ حديث؟ كل حديث منهم هندي فيه ناس (+١) وندي ناس (-١)، فيتكون عندنا خريطة بسكور كل واحد كام، نلاقي في ال٥٠٠٠ حديث واحد جايب ٤٩٩٠ ونلاقي واحد جاب ٤٤٠٠ ونلاقي واحد جايب ٣٧٠٠ ونلاقي واحد جايب ١٢٠٠ ونلاقي ناس بالسالب وهكذا، فنبدأ نرتب الناس دول مين فيهم قليل الخطأ جدا، ومين بيغلط بس بشكل أكتر شوية، ومين مخلّط وبيغلط كتير، ومين بينسى كتير بس بردو أحيانا يبقى صح، ومين ضايع خالص.
وبعدين فيه نوع إضافي من الأحكام، إن يكون فيه شخص دايما بياخد (+١) وبعدين نلاحظ إن الأحاديث اللي في نهاية حياته بقى بياخد فيها (-١) كلها، فندرك إن الراجل ده كان قوي الحفظ في حياته لكن لما كبر في السن بدأ ينسى أكتر وتختلط عليه الأمور أكتر.
ومن ذلك نطلع بأحكام عامة أكتر شوية، إن فلان ده ثقة جدا، وفلان ده ثقة عادي، وفلان ده ثقة بس بيتوهم أحيانا، وفلان ثقة بس كان نساي في آخر حياته، وفلان كان مقبول، وفلان كان ضعيف، وفلان كان كثير الوهم، إلى آخره.
يجيلنا بقى حديث مش متكرر، مش جاي من طرق كتير لكن جاي من طريق واحد فقط، رواه أحمد عن محمود عن عبد الله عن الصحابي عن سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم، مجاش غير من الطريق ده، فمعندناش أصلا فرصة نقارنه بغيره علشان نشوف مين ياخد (+١) ومين لأ، فنروح نجيب كل اسم في سلسلة الرواة، ونشوف هو موثوق فيه ولا لأ، وحكمنا العام عليه من تاريخه السابق كان عامل ازاي، هل هو من الناس اللي جابوا ٤٩٠٠؟ ولا كان جايب ٣٢٠٠؟ ولا كان جايب بالسالب؟ ونفضل ماشيين ورا واحد واحد، لو لاقيناهم كلهم ثقات نبدأ نزود احتمالات صحة الحديث، لو لاقينا واحد فيهم مشهور بالوهم أو الكذب نبدأ نزود احتمالات ضعف الحديث.
كل اللي فات ده مجرد حاجة واحدة من اللي كان بيعملها علماء الجرح والتعديل، مجهود كبير وتدقيق مستمر، كأنه شغل إحصائي بحت وإن كان طبعا مش بالطريقة دي، أنا كتبت ال+١ وال-١ للتقريب وضرب المثال بس.
وكل ده كانوا بيعملوه في زمن متوفر فيه هذه الأسانيد المختلفة، أحاديث كتير جاية من عشرات الطرق اللي تقدر تقارنهم ببعض وتستخدمها للحكم على الرواة بالتضعيف والتوثيق، طبعا الزمن اللي احنا فيه حاليا مفيهوش كل هذه الطرق، لذلك لما بعض المعاصرين يبدأ يتكلم في الرجال بأحكام مستقلة ويخالف في ذلك علماء التراث لازم تعرف على طول إنه رمي في عماية، لأنه معندوش أصلا إمكانية مقارنة طرق ببعضها، ولا معاصر للناس فيقدر يسأل عنهم كما ينبغي، ولا يقدر يتأكد من أي شيء بشكل مستقل، لازم هيفضل دايما مقلد لبعض أحكام علماء التراث في شيء جزئي أو كلي، والحقيقة إن المعاصرين اللي بيعملوا العبث ده مش دايما بيكونوا تنويريين، لكن في كتير من الأحيان بيكونوا مشايخ مأزومين ومؤدلجين ومتبعين لهواهم بلا منهج علمي رصين في الحكم على المرويات الشريفة، وهما وجهان لعملة واحدة في الحقيقة.
الحمد لله إن ربنا شرفنا بالانتساب لأمة تهتم بالأسانيد والمرويات وعندها القدر ده من المنهجية العلمية في التعامل مع العوارض البشرية، ونسأله سبحانه وتعالى إنه يديم الوصل بين أول الأمة وآخرها، ويقطع دابر كل عابث فتان يريد أن يقطع الصلة بين المسلمين وتراثهم ومناهجهم.