التصنيفات
المدونة

ازاي خطاب النصح والارشاد يعمل أثر وفرق حقيقي

ودي مش دعوة للتهاون والتسامح والتفريط لا سمح الله؛ الأشياء يجب أن توصف بمسمياتها

شفت مقطع قصير من بودكاست اسمه “مدرك” بيقدمه شاب اسمه محمد مصطفى، مستضيف شاب تاني اسمه محمد عبد الغني، بيلعب كمال أجسام من زمان وبسم الله ما شاء الله عليه، ودخل بطولات وكسب بطولات ثم من فترة بدأ يقول إن البطولات حرام، والحلقة دي من البودكاست كانت عن علاقة الدين بالرياضة، لكن المقطع القصير نفسه كان بيتكلم عن الظواهر السيئة في الأفراح.

المقطع كان قصير ومزعج جدًا في لغته ومنطِقه، فقررت أشوف الحلقة كاملة عشان ماكررش خطأ نزع الأشياء من سياقها.

شفتها، شباب لطيف، الإتنين من كلامهم ولغتهم شكلهم صادقين، لكن ما قدرتش أتغلب على انزعاجي الشديد من اللي ورد في المقطع.

المقطع كان فيه مقدم البودكاست – محمد مصطفى – بيقول “هو أنا لو قلت لك هات أهل بيتك ولبّسهم لبس شيك وحلو وبعدين هاتهم قدام الناس عشان ننبسط حتعمل إيه؟”..بعدها شاور وكأن المخاطَب بيشهر سيفه وبيقول “ويحك”..بعدين كمّل “طب ما بالك بقى وإنت بتعمل ده متطوعًا، وبتجيب لي أكل وشرب وبتبعت لي دعوة”..يقصد الأفراح يعني والرقص اللي بيحصل فيها من أهل العريس/العروس..وفي النص، ضيفه محمد عبد الغني قال إن الأفراح دي كأنك جايب الناس تتفرج على مراتك، وقبلها بشوية كان بيقول “لا يدخل الجنة ديوث”.

المقطع ده تحديدًا انتشر جدًا، وحبيت أقول كذا تعليق عليه.

هل هو ده منطق بعض الناس فعلًا؟ إنهم بيجيبوا المعازيم الفرح عشان يتفرجوا؟ سواء على زوجاتهم أو على مستوى الفرح والحسب والنسب؟ آه، موجود طبعًا.

هل الناس اللي بتعمل ده وهي واعية ومدركة هي بتعمل إيه، في أي فايدة من استنفار ذكورتهم وغيرتهم على أهل بيتهم وحرماتهم؟ أعتقد مش مبالغة إننا نقول لأ، على الأقل حتى يأذن لهم الله بالهداية.

هل في ناس أكتر منهم بتعمل ده تحت ضغط العادات والعرف والتقاليد إن هو ده الدارج سواء كانوا ستات أو رجالة؟ بسبب ضعف الشخصية أو الجهل أو مسايرة الرائج أو الخوف من تفويت شيء ما أو غيره من المبررات اللي ممكن أي إنسان يتراجع عنها لو فكّر فيها شوية؟ أعتقد والله أعلم إن دي الغالبية.

هي دي مشكلتي الأولى في لغة ومنطق الكلام.

في العقود الأخيرة ولأسباب مفهومة ومعلومة بالضرورة لكل قاصي وداني، لغتنا وطريقتنا في الكلام مع بعضنا غلبت عليها العدوانية والعنف اللفظي، والخطاب الديني الدعوى لم ينجو من الظاهرة دي بدوره، وفي شيوخ صنعوا شعبية ضخمة جدًا باستخدام أساليب قصف الجباه والردود الحراقة اللي بتوصل في بعض الأحيان لقذف المحصنات والخوض في الأعراض، في الواقع أكتر هؤلاء الشيوخ شعبية لا يتحرج إنه يعمل كده سواء بالتلميح أو البوح، وللأسف في آلاف بتأمّن وراه على طريقة إجلد يا شيخ.

العنف اللفظي المتفشي في مجتمعنا أنتج مجموعة من الشباب المتدينين مهووسين بنعت الناس بالدياثة، لأسباب بأتخيلها مفهومة -وليست مبررة أبدًا- في السياق الاجتماعي بتاعنا، وهي إن وصف فلان بإنه “ديوث” بينزع عنه الأهلية والكرامة، وبيحوله لإنسان مستباح، وبالتبعية بيديهم الحق في الخوض في عرضه وهم حاسين بالأمان، وكأنهم مش حياخدوا ذنوب لو استباحوا واحد ديوث، دي حاجة عاملة كده زي إنك تقول مش حآخد ذنوب لو اتفرجت على بورن ما هي اللي قالعة.

الاتهام بإنك ديوث في العرف ده معناه إنك مالكش دية، ممكن نستخدم معاك أي لغة وأي صيغ ونروح معاك للآخر وإحنا آمنين من العقاب سواء كان دنيوي أو أخروي، وكأن ديوث دي الكلمة السحرية اللي بتفتح لنا أبواب العنف اللفظي والاستباحة بلا أي عواقب.

من استماعي لكلام الشابين ماعتقدش إن دي كانت نيتهم، لكنها ظاهرة بأشوفها في شباب كتير وبأحس إن الخطاب ده بيعززها وبيطبع معاها حتى لو كان بدون قصد، وأنا مش معترض إن أي مجتمع في ناس بتفرط في عرض أهل بيتها فعلًا، وبتتعامل معاه باستهانة إلى آخر الأمراض الاجتماعية المستوردة الدخيلة على الثقافة الإسلامية، وبنشوف ده كل يوم، لكن اعتراضي على إن الخطاب المُقدم في البودكاست، زيه زي غيره من الخطابات الدينية الدارجة حاليًا، هو خطاب عنف وتشفي وشماتة وإهانة، مش خطاب نصح وإرشاد ودعوة.

لو هدفي من الأساس هو نصح وإرشاد الغافلين، اللي الدنيا سارقاهم ومش مدركين مدى فداحة الفعل، فهل حتكون طريقة النصح إني أقوله إنت جايب أهل بيتك وملبّسهم شيك “عشان ننبسط”؟ هل هو ساعتها حينفر من الفعل أكتر ولا مني أنا أكتر؟ وأنا بأصورله سيناريو خيالي أنا بأستبيح فيه أهل بيته لمجرد إنهم موجودين قدامي في فرح بيرقصوا، وكأن أنا شخصيًا منزوع المسئولية تمامًا، وما عنديش أي وازع أخلاقي والعملية عندي متوقفة عليه هو؟ والله لو جايب أهل بيته يرقصوا فأنا حأنبسط كده كرد فعل وكأن أنا مجرد حيوان غير مكلف مدفوع بغرائزه وخلاص؟ هل الفعل المنفر الفادح يبرر رد فعل منفر وفادح كمان؟ هو غلط وحرام عشان ربنا أمر بعكسه ولا عشان إنت قررت تستغل الموقف إنت كمان وكأنك مش مأمور بإنك تغض بصرك أو ما تحضرش ده أصلًا مادام عارف إن ده اللي حيحصل؟ هل إنت بتقول للراجل ما يعملش ده عشان حرام وربنا بأمر بعكسه، ولا بتهدده إنك إنت والمتلصصين المتربصين حتستغلوا الفرصة أسوأ استغلال؟ أي رسالة بنوصلها هنا؟

الرسالة هنا مش رسالة دينية مفادها طاعة الله والخوف من الوقوع في محرماته، الرسالة هنا ذكورية وقبلية 100%..واللي حيستجيب ليها حيستجيب خوفًا على رجولته وكرامته بين الذئاب اللي قاعدة مستنية الفرصة عشان تستبيح أهل بيته، وهي رسالة ممكن توجيهها لمجتمعات كتير لا تؤمن بالله أصلًا، لكن حتقدر تحرك ذكوريتهم عادي، وهي دي المفارقة الحزينة.

في وسط كل ده، الخطاب ده بيرتكب أكتر من خطأ كلهم فادحين برضه؛ أولًا بينزع المسئولية عن “الآخرين” في السيناريو ده، وهو لا في مبرر إن الراجل “يفرجك على مراته” ولا في مبرر إنك “تنبسط” كرد فعل برضه، لأن إنت ببساطة مش حيوان وعليك تكليف برضه، ثانيًا ما بيعملش حساب إن في مد ثقافي متدني ووضيع مغفّل ناس كتير فعلًا، ومحتاج نخب تدفعه والنخب دي بقت نادرة دلوقتي أو في السجن، ومحتاج إنها لما تدفعه ما تدفعوش بمنطق “غطي مراتك بدل ما نتفرج عليها” بل بمنطق “غطي مراتك حتى لو إحنا غضينا بصرنا”، والإتنين لازم يتقالوا مع بعض لأن المسئولية مشتركة، لأنه ببساطة لو هي مسئوليته لوحده، فإيه فايدة النصح أصلًا؟ ما هو خلاص الناس “انبسطت” بأهل بيته واتفضح واللي كان كان، حيسحب ده كله إزاي وحيتراجع ويتوب عنه إزاي حتى لو انتقبوا كلهم تاني يوم؟ ما عشان كده إنت كمان مأمور بتجنب الأمور دي من الأول، عشان يبقى في خط رجعة ومعنى للتوبة، مش كده؟

الخطاب ده كمان بيتجاهل إن في ناس كتير لو عُرض عليها الموضوع بطريقة أقل إهانة، حطت في اعتبارها إن الآثم ممكن يكون غافل، وممكن يكون ناسي، وممكن يكون بيقلد، وممكن يكون بيشاور عقله/عقلها ومتردد وكان بيفكر يتراجع، مش ممكن كان يجيب نتيجة أفضل؟ هل الجزم بإن كل الناس اللي بتعمل أفراح “جاية تفرج العالم على أهل بيتها عشان ينبسطوا” أصلًا عادل أو حقيقي أو حتى مفيد؟ في سلوكيات كتير بتحصل في أفراح مشابهة لا تندرج تحت نفس التصنيف حتى لو كانت خطأ، وقطعًا مش الهدف منها إحضار المعازيم عشان العريس يفرجهم على أهل بيته.

أي خطاب نصح أو إرشاد أو دعوة موجه لأي مجتمع، عشان يعمل أثر وفرق حقيقي، لازم يتسامى على السائد، لازم يتجنب صيغ قصف الجبهات واستثارة الغرائز الحيوانية والسوقية والتدني، لازم يعمل حسابه إنه يسيب خط رجعة للناس ويشجعهم على ترك الذنوب والمعاصي، ويحسسهم إن الناس حتتقبلهم مرة تانية لما يتوبوا، مش يستخدم لغة ومنطق سوقي فاسد عشان يحسسهم إنهم انتُهكوا خلاص واستُبيحوا واللي كان كان ومفيش فايدة ويوصمهم بذنوبهم ومعاصيهم للأبد، ويتحول الموضوع لحفلة من الانتشاء بالأفضلية الأخلاقية من باب “نجونا وهلكتم”..ده خطاب ما يوصلش لأي حاجة، ولا حيخلي العاصي يتوب، ولا حيحسسك إنت بأي تواضع لله وكرمه عليك من اللي المفروض تحسه في اللحظات دي.

دي مش دعوة للتهاون والتسامح والتفريط لا سمح الله؛ الأشياء يجب أن توصف بمسمياتها، لكن في قدر من الحصافة واللياقة مطلوبين في الدعوة عشان تأدي الغرض منها، وما تتحولش لأحكام معمّمة مُجهّلة نحط فيها الكل في سلة واحدة، الغافل والواعي والعاصي والمجاهر والمتردد واللي ربنا ختم على قلبه، والله أعلم.

في نقطة مهمة نسيت أضيفها رغم إنها محورية جدًا، وهي كمان ظاهرة متكررة بألاحظها في الشباب المتدين في آخر سنين، وهي إنهم عاجزين تمامًا عن تخيل نفسهم عايشين في مجتمع مع آخر مختلف منطلق من قناعات وتعليم وثقافة مختلفين جذريًا، بمعنى إن الدعوة بالنسبة لهم هي دعوة المسلم العاصي/المارق/الزنديق فقط لا غير، والخطاب كله قائم على اللوم والتقريع، وكأننا عاجزين عن تخيل نفسنا في موقف دعوي آخر، زي إننا نكون في بلد أجنبي مثلًا، أو ندعو حد عمره ما سمع عن الكلام ده أصلًا ومحتاج إقناع حقيقي يعمل حساب منطقه في الحياة مش بس منطق الإسلام وفلسفته، وبالتالي الخطاب يكون مراعي للفوارق الثقافية والتعليمية حتى لو كانت غلط من وجهة نظرنا، لأن ببساطة هي دي الدعوة.

بأشوف شباب كتير قاصرين خطابهم الدعوي على كونه تذكير فقط بالقواعد للغافلين والعاصين، أو تعالي عليهم من نفس باب “ناجين وهالكين”، وكأن القيامة قامت وإحنا بنتحاسب دلوقتي والعملية كلها ساكنة راكدة مفيش فيها حركة، ومفيش حد ممكن ينتقل من المعسكر الأول للتاني أو العكس.

من فترة عملنا مساحة صوتية على تويتر كنا بنناقش فيها كلام أبو تريكة عن دعم الشوا* في البريميرليج، وعند لحظة ما وصلنا لسؤال إزاي تخاطب هؤلاء وتقنعهم بتحريم الإسلام للمسألة وإنها شيء لا جدال فيه، وكل الردود من الشباب ما خرجتش عن فكرة إننا حنقول إن ده حرام عشان ربنا حرمه..كده..ما عندناش حجة تانية..طب يا سيدي ده شخص بالبديهة مش مؤمن بربنا اللي إنت بتعبده ده أصلًا، لكن برضه مفيش أدنى تخيل لفكرة إن الدعوة دي حتواجهك باختبارات في منتهى الصعوبة، ومش حتبقى كلها 1+1، ومش كل الناس حتقدر تزنقهم وتقولهم مادام إنتو مسلمين يبقى لازم تعملوا 1 2 3 وتديهالهم صايمة مصمتة كده في وشهم.

يعني لو إنت بتحاول تشرح لزميلك الفرنسي في الجامعة جان ليه مش حتحضر فرحه، ثم استخدمت نفس المنطق بتاع إنت جايب أهل بيتك ومراتك عشان تفرجني عليهم فده لن يعني له أي شيء، ومش حيحرك المناقشة دي مليمتر واحد ولا حيوديكم في أي حتة ولا حيفتح أي أفق عشان يسألك حتى عن حجتك ناهيك بإنه يقبلها، حيشوفك راجل منحرف متلصص شبق جنسيًا وحيتجنبك للأبد.

مش المقصود إنك تقوله اللي عايز يسمعه وتقوله إنت تمام يا معلم وميت فل وعشرة، بس مرة تانية في قدر من اللياقة والحصافة في طرح الفكرة، وفي قدر من التدريج والتمهيد، هو مش الهدف إننا نحقق للناس أكبر صدمة ثقافية وعقائدية ممكنة ونخليهم يشهدوا إن لا إله إلا الله في لحظتها وننزل فيديو حراق يجيب فيوز كتير من نوعية “جادله فأخرسه فأشهر إسلامه”..اللقطات السينيمائية شديدة الدرامية دي نادرًا ما بتحصل، والجدل والإقناع والدعوة محتاجين مجهود ومثابرة وقبل كل ده قدرة على التخيل وفهم الآخر ومفرداته وعالمه وأصول قناعاته،
والله أعلم.

المصدر