التصنيفات
مقالات الضيوف

أصل تطوّر فكرة “الاختلاط”

فريق يدعو لمنع الاختلاط بتطرّف
وفريق يتطرّف بتشجعيه وضرورة للاختلاط باسم الحرية

مصطلح “الاختلاط” في مجال العلاقة بين الرجل والمرأة بدلالته المعاصرة (التي تريد تقسيم الكرة الأرضية إلى قسمين أحدهما للرجال والآخر للنساء) هي دلالة دخيلة على القاموس الإسلامي، ولا وجود لكلمة الاختلاط بهذا المعنى لا في القرآن ولا في السنة ولا في التراث الفقهي طوال القرون الأولى (بالدلالة المستخدمة حاليا بمعنى القطع التام لكل تعامل بين رجل وامرأة).

وإنما وردت الكلمة في موضع وحيد في حديث رواه الإمام أبو داود أنه عند الخروج من المسجد النبوي “اختلط” الرجال مع النساء في الطريق، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء بالتأخر إلى حافة الطريق.

والاختلاط المحرم المقصود في الحديث عند كثير من أهل العلم هو اختلاط التلامس والمجانسة (الذي يؤدي للاحتكاك الجسدي) وهذا لا شك في حرمته؛ أما مجرد الاجتماع بين الجنسين في مكان واحد مع التزام الضوابط والآداب فلا حرج فيه وقد دلت على ذلك النصوص والآثار كما سأبين!

أما تحريم الاختلاط بمعنى منع كل تواصل في المعاملات اليومية بين الجنسين حتى مجرد الكلام، فمفهوم لم يظهر إلا في العصر الحديث وروجت له بعض المدارس الفكرية التي وجدته مفهومًا موافقًا لهواها،

ومع مرور الوقت وتركيز عدد من الدعاة على هذه القضية كونها إحدى المعارك الآمنة التي لا تستجلب غضب الحكومات ولا سخط الحكام؛ أصبحت قضية الاختلاط لدى بعض الشباب والبنات كأنها أصل من أصول الدين والعقيدة؛ حتى يقول قائل – جهلًا – إن الاختلاط كله شر!

إن المتأمل في القرآن الكريم وحديثه عن المرأة في مختلف العصور، وفي حياة الرسل والأنبياء لا يشعر بهذا الستار الحديدي الذي وضعه بعضهم بين الرجل والمرأة باسم الدين.

فقد أخبرنا القرآن أن موسى عليه السلام وهو في ريعان شبابه وقوته وقف يحادث الفتاتين ابنتي الشيخ الكبير، ويسألهما وتجيبانه بلا تأثم ولا حرج، ويعاونهما في شهامة ومروءة، وتأتيه إحداهما بعد ذلك مرسلة من أبيها تدعوه أن يذهب معها إلى والدها، ثم تقترح إحداهما على أبيها بعد ذلك أن يستخدمه عنده؛ لما لمست فيه من قوة وأمانة؛ وفي قصة مريم عليها السلام نجد زكريا عليه السلام يدخل عليها المحراب، ويسألها عن الرزق الذي يجده عندها، وفي قصة بلقيس ملكة سبأ نجد حوارها مع سليمان عليه السلام والذي حكاه القرآن تفصيلا.

فكل هذه المواقف كانت تجمع بين رجال ونساء؛ ومن القواعد المقررة عند أهل العلم أن شرع من قبلنا المذكور في القرآن والسنة هو شرع لنا ما لم يرد في شرعـنا ما يرده؛ ولم يرد في شرعنا ما يرد ذلك بل بالعكس كانت المرأة تشهد صلاة الجماعة في مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خلف الرجال دون فاصل ولا ساتر، وكان عليه الصلاة والسلام يحثهن على أن يتخذن مكانهن في الصفوف الأخيرة خلف صفوف الرجال، وجعل خير صفوف النساء آخرها خشية أن يظهر من عورات الرجال شيء عند السجود فتطلع عليه النساء التي في الصف الأول (لأن أكثر الرجال في ذلك الزمن كانوا يلبسون ثوبا واحدا ولا يعرفون السراويل)، ولم يكن بين الرجال والنساء أي حائل من بناء أو خشب أو نسيج، أو غيره.

وكان النساء يحضرن دروس العلم، مع الرجال عند النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويسألن عن أمور دينهن مما قد لا تسأل عنه كثير من النساء اليوم باسم الحياء بينما أثنت عائشة على نساء الأنصار، أنهن لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين، فطالما سألن عن الجنابة والاحتلام والاغتسال والحيض ونحوها.

وكثير من الأحاديث النبوية تروي لنا مواقف حدثت بين رجال ونساء ورسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم؛ بل تجاوز هذا النشاط النسائي ساحات العلم والعبادة إلى المشاركة في المعارك، بما يقدرن عليه ويُحسنَّ القيام به، من التمريض والإسعاف ورعاية الجرحـى والمصابين، بجوار الخدمات الأخـرى من الطهي والسقي ونحوها.

بل صح أن نساء الصحابة شاركن في بعض الغزوات والمعارك بحمل السيف، ومعروف ما قامت به أم عمارة نسيبة بنت كعب يوم أحد، حتى قال عنها -صلى الله عليه وسلم- : “لمقامها خير من مقام فلان وفلان”. وكذلك اتخذت أم سليم خنجرًا تقاتل به يوم حنين.

ولم يقف طموح المرأة المسلمة في عهد النبوة والصحابة للمشاركة في المعارك المجاورة والقريبـة في الأرض العربية، بل طمحن إلى ركـوب البحـار، والإسهام فيما هو أبعد، كأم حرام بنت ملحان التي ركبت البحر مع زوجها عبادة بن الصامت إلى جزيرة قبرص، وبها توفيت ودفنت رضي الله عنها وما زال قبرها بجزيرة قبرص.

وفي الحياة الاجتماعية شاركت المرأة داعية إلى الخير، آمرة بالمعروف، ناهية عن المنكر، ومن الوقائع المشهورة رد إحدى المسلمات على عمر في المسجد، ورجوعه إلى رأيها علنًا، وقوله: “أصابت المرأة وأخطأ عمر”.، كما عين عمر في خـلافته الشِّفاء بنت عبد الله العدوية مشرفة على السوق وكان هذا العمل بلا شك يتطلب منها أن تخالط الرجال.

فإن قال قائل: هؤلاء كانوا أنبياء وصحابة فأين نحن منهم! قلنا: إنه من المعلوم أن أفعال الأنبياء ومن بعدهم الصحابة جعلت لنقتدي بهم في التشريعات والتعاملات وذلك قول ربنا (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)، فلسنا بأخوف من الله منهم لنشدد على أنفسنا في ديننا ما لم يشددوه!

فالخلاصة أن اللقاء والتواصل بين الرجال والنساء في ذاته ليس محرمًا بل هو جائز إذا كان القصـد منه المشاركـة في هدف نبيل، من علم نافع أو عمل صالـح، أو غير ذلك، إنما المحرم الخروج عن القواعد الشرعية عند اللقاء كالتلامس والاحتكاك وعدم ارتداء الحجاب أو النظر إلى العورات، أو التواصل لغير حاجة أو الخضوع بالقول إلى آخر ذلك. وهذه أمور يختلف فيها الناس التزامًا أو تساهلًا فلا يمكن إطلاق حكم عام بحرمة كل لقاء أو كل تعامل أو كل تواصل بين رجل وامرأة، وإنما الظروف والملابسات هي التي تحدد ذلك.

لا أنكر أبدًا أنه كما يوجد طرف يبالغ في التضييق والتشديد في موضوع الاختلاط يوجد أيضا طرف يبالغ في رفع كل الحدود والقيود باسم الحرية والتحضر، لكن من عظمة الإسلام أنه جاء مراعيًا لواقع الناس وسطا في أحكامه رفيقًا بأتباعه؛ فلم تمنع الشريعة كل تعامل بين رجل وامرأة كما زعم المتشددون ولم ترفع كل الحدود كما فعل المتساهلون، وإنما بنى الشرع العلاقة بين الرجل والمرأة على منطقة وسط أباح فيها التواصل الضروري الذي يحتاجه الناس في أمور معاشهم مع الحفاظ على الضوابط لكن ليس من الشرع في شيء إنكار كل تواصل بين رجل وامرأة، واعتبار أن ذلك من أصول الدين التي نسعى لإلزام الآخرين بها .

فإن قال أحدهم: نفعل هذا من باب سد الذرائع والأخذ بالأحوط والابتعاد عن الفتن قلنا: جزاك الله خيرًا أنك اخترت الورع لنفسك، ولكنه اختيار شخصي متروك لكل إنسان يقرر فيه بإرادته، فمن شاء فليفعل ويتورع ويحتط لدينه فذلك خير ولكنه ليس بحكم شرعي نلزم به الناس جميعا ونضيّق عليهم ما وسعه الله عز وجل لهم.

والله سبحانه أعلى وأعلم …

المصدر